‏إظهار الرسائل ذات التسميات تراجمي للفنانين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تراجمي للفنانين. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 ديسمبر 2025

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

 

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

منذ 5 أشهر

538

1

رابط المقال بقلمي

01 أغسطس 2025 07:54: م

في مساء هادئ، برفقة أولادي الذين دومًا يشاركونني فضول الاكتشاف، تارة بشغف البحث عن الجديد، وتارة نزولًا لطلبي، وأخرى رغبة في الصحبة، رتّب القدر الجميل زيارةً إلى مرسم اختزن بين جدرانه حكايات الفن، وأسرار الحفاوة والتكريم، وبين ردهاته قصصًا لأجيالٍ لم تُحكَ بعد، ومعارض فنية لم تستعاد.


كانت الزيارة دون برنامج محدد، لكن سرعان ما مضى الوقت ممتعًا مرتبًا، حتى أصبحت زيارة بثلاث فقرات ممتعة مذهلة. استقبلنا الفنان ببشاشة وترحاب، دلفنا جميعًا إلى مجلسه الرئيس القرمزي المتواضع، الذي زُيّنت جدرانه بأعماله الطباعية، أضاء المكان بخصلات شعره الأبيض، مسترشدًا بعصاته التي أضفت عليه هيبة على هيبة. بدأ الفنان حديثه الدافئ عن نفسه مسترجعًا ذكريات ترشيحه لدراسة الفن في روما، بإشارة مهذبة وابتسامةٍ دافئة معتذرًا:
“اعذريني، فأنا لا أسمعك… فقدت السمع بسبب عملية القلب المفتوح”.


جاءت العبارة كافية لتفتح لي أبوابًا من التأمل لرجلٍ ملأت لوحاته تجسيدًا لونيًا لمآسي الفقر والبؤس، وغوصًا ماهرًا في عوالم المهمشين واللا منتمين، وتصويرًا بديعًا للمشاعر والأحاسيس الإنسانية. حديثه وصوته، تركا في ذهني ذكرى لا تُمحى، ومما زاد من دهشة قصته كيف أن القدر اختاره للفن التشكيلي، رغم أنه كان في بداياته مشروعًا موسيقيًا يعزف على الكمان والتشيللو، وكان يرافق رواد الطرب مثل محمد عبده، وطلال مداح، وطارق عبد الحكيم… كانت قصة ابتعاثه إلى روما لدراسة الفن التشكيلي، بقرار مباشر من وزارة المعارف آنذاك، تجسيدًا لإيمانها بموهبته ورؤيته الفنية، ومنحة كريمة لصقل مهاراته في قلب عاصمة الفن الأوروبي. 

إنها قصة عطاء وطني نبيل، تلتها قصة وفاء وعرفان خالص منه.


لم تمضِ دقائق حتى انساب الحديث بهدوء عن مشروعه الكبير في توثيق التشكيل السعودي، وعن كتبه السبعة المنشورة التي ألّفها بجهد ذاتي، هي: التشكيليون السعوديون، وفن في نصف قرن، وذاكرة على السطح، وإضاءة للذكرى، وماذا؟ ولماذا؟، وإبداع لا ينضب، وحكاية أجيال، إضافة إلى كتابه الموسوعي الثامن، مع ما كتبه ونشره فيما يقارب من 400 مقالة عن الفن السعودي، ولا يزال قلمه يفيض اجتهادًا ومواكبةً ورصدًا لمسيرة التشكيل السعودي منذ أكثر من نصف قرن، متحررًا في أسلوبه من نمطية السرد التاريخي والنقد الفني، مكتفيًا بما اختزنته ذاكرته، وما جمعه في جعبته من معلومات ومفاهيم عن الفن السعودي. تارةً يوثق مسيرة الفنانين والفنانات عبر الكتب، وتارةً يكتب في الصحف ناقدًا ومحذرًا من زيف الشهرة وبريق التلميع الأخرق. وله زاوية ثابتة في مجلة “فرقد الإبداعية” بعنوان “ولي رأي،” يحذر فيها من سقطات الفن الزائف ومتاهاته.

إنه كاتب تشكيلي وفنان مبدع بدأت مسيرته الفنية في المعرض الدولي لمنظمة اليونسكو في روما Apello 70 في عام 1968؛ لتتوالى مشاركته في أكثر من 813 معرضًا وفعاليات أخرى متعددة، و25 معرضًا شخصيًا محليًا وعالميًا، إضافةً لعدد من الأوسمة والجوائز الدولية مثل: جائزة منيرفا الإيطالية، والجائزة الأولى في بينالي البحر في روما. 


عصفت بي ذاكرةُ الأيام في مجلسٍ تتوسطه طاولةٌ عليها عصيرُ الرمان، لتعيدني إلى ضيافة بنجابي رحمه الله تعالى، وعصير التوت الذي قدّمه لي حين دعاني إلى مرسمه في جدة التاريخية، خلال أيام المعرض الأول لمبادرة فكر وفن ونشر، لم يكن لقاءً عابرًا بل لقاء أجيال، إنها لقاءات جمعت بين رؤى تشكيلية احترافية، وشغفٍ عميق، وبحثٍ دؤوب في جماليات اللون، بل كانت تقاطعًا حاذقًا بين رؤيتين: إحداهما غارقة في التوثيق، والتجربة التشكيلية، والإبداع الفني؛ والأخرى تنقّب عن الفن بمعيارٍ نقدي عالمي يتجاوز حدود الإعجاب والانبهار، ويتخطى الزمان والمكان.


وما هي إلا لحظات حتى أدار المضيف دفة الجلسة بحفاوة تنمّ عن ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ليحتفي بضيوفه بتقديم مجموعة من مؤلفاته، ولوحتين حديثتين تحملان توقيعه وأسلوبه التشكيلي المتفرّد، واختتم ذلك بإهداء صندوقين نسخًا من كتابه (ذكرى التسعين) إهداء لفناني وفنانات الطائف، في لفتة تجسّد امتزاج الذكرى بالإنجاز، والاحتفاء بالتجربة الثقافية التشكيلية المميزة.


في تلك اللحظة، جاء قرار دخولي إلى مرسمه الصغير مرحبًا به، ذلك المرسم  الكبير في معانيه وذاكرته وألوانه، إنه بمثابة عبور إلى عالم موازٍ، حيث تتراكم الألوان على لوحات جديدة لمعرض قادم، باستخدام عدد قليل من أنابيب الألوان الزيتية، ومجموعة من السكاكين، وعلبة من الزيت، مع مصباح إضاءة، لتدرك للوهلة الأولى أنه فنان كلاسيكي من الدرجة الأولى، له تجربة فنية باتت مع السنين تقنية خاصة به، يتقن أبعادها وطرقها، عبثًا أن تسأله أو تحاكي أسلوبه، إنها تقنية العقود وأسلوب الرواد، أما جدران المرسم الصغير الكبير أمست سديمًا درّيًا حافلًا بالشهادات، والدروع، والأوسمة، وبعضًا من اللوحات المهداة إليه، مرسم دافئ بوحه، عميق رمزه، تعجز الكلمات عن وصفه.

لم تكن زيارة عابرة، بل كانت احتفاءً منظمًا صنعه ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ومجلسًا تربويًا أسعد أولادي، وحفر في ذاكرتهم قصة فنانٍ موسوعيّ، يحمل في ريشته ذاكرة فن للوطن، وفي ملامحه صمتٌ عميق يُجيد الكلام… ويجيد الحكاية بالألوان، ومضيفٌ طائيٌّ سخيّ.


الفقرة الثالثة من البرنامج بدأت عند عودتي إلى المنزل؛ حين جلست بمفردي أتصفح الكتب المُهداة، أقرأ في صفحاتها، مسترجعة صوته وحديثه، لأقف على نتاج فكري لشخصية حرّكها إيمانٌ عميق برسالة الفن ودوره في الذات والمجتمع، مشمرًا عن ساعديه بناء ذاكرة بصرية متفرّدة لتشكيل هذا الوطن.

أما مؤلفه الثامن: “ذكرى التسعين” فهو مشروع توثيق رصين، لا أظن أن له نظيرًا في مجاله في هذه الفترة، يؤكد الفنان أحمد فلمبان عنه قائلًا: “قد يظن البعض ممن لم يطالع كتاب “ذكرى التسعين” أنه مجرد تكرار للأسماء الواردة في كتب سابقة، أو تجميع لما جاء في “حكاية أجيال” و”إبداع لا ينضب”، لكنه في حقيقته عمل منهجي دقيق، ورؤية تصحيحية شجاعة في تاريخ الفن التشكيلي السعودي“.

 مشيرًا إلى أن “هذا الكتاب لا يكتفي بسرد الأسماء، بل يسعى إلى توضيح البيانات والمعلومات التي أسقطتها كثير من المصادر والمقالات والكتب السابقة، تلك التي تجاهلت -عمدًا أو سهوًا– نصف قرن من تاريخ هذا الفن. لقد أغفلت تلك المصادر البدايات الحقيقية، وتغافلت عن الأسماء التي شكّلت النواة الأولى للممارسة التشكيلية في المملكة، رغم أنها تمثّل أقدم الإشارات الموثقة لظهور هذا الفن في السعودية”.


ممتدحًا الكتاب قائلًا “إن كتاب “ذكرى التسعين” جاء ليعيد الاعتبار، ويضيء الظلال التي حجبت جهد الرواد، فكان بمثابة شهادة للتاريخ، وإنصافًا لفرسان التشكيل السعودي، أولئك الذين حملوا الريشة حين لم تكن هناك قاعات عرض، ولا نقد فني، ولا دعم مؤسسي، بل كانوا وحدهم يزرعون البدايات في أرض لم تُمهَّد بعد”.

يقع الكتاب في 787 صفحة، ويتضمن مفارقات متعددة لا يسع المجال لسردها هنا، مقارنةً بفكرة موسوعة Marquis Who’s Who الأمريكية، التي تعتمد في جمع بياناتها على استبيانات يملؤها الأفراد بأنفسهم. وتُعد هذه الموسوعة مرجعًا معتمدًا للتعريف بالشخصيات المؤثرة في المجتمعين الأمريكي والعالمي، وتُستخدم على نطاق واسع في المكتبات، والجامعات، والمؤسسات الأكاديمية، والشركات.

جاءت الصفحات الأولى من كتاب فلمبان مدخلًا أساسيًا في تاريخ الفن التشكيلي السعودي، مع التركيز على الحراك الفني في المملكة العربية السعودية، من خلال استعراض قنواته المتعددة، وأبرز المعارض، والمراسم، والملتقيات، والمساهمات الفنية، إلى جانب صالات العرض، والأساليب الفنية، ومسارات تطور الفن التشكيلي السعودي. تلا ذلك قسم مخصص لـ “فرسان الفن التشكيلي“، وهم الفنانون والفنانات الذين تعاونوا مع فلمبان في توثيق وتدوين سيرهم الذاتية. وقد اختتم الكتاب بقائمة تضم نحو ثمانية عشر ألف فنان وفنانة من السعودية ممن مارسوا الفن التشكيلي بالمملكة، وذلك احتفاءً بمرور تسعين عامًا على بدء الحركة التشكيلية السعودية. 

يُقرأ الكتاب مسحًا سريعًا إذا كنت تبحث عن قاعدة بيانات شاملة مكتوبة ويمكن أن تؤرشف رقمياً، وتستكمل من البقية المتبقية من من لم يحالفه الحظ في التدوين في قائمة فرسان التشكيل السعودي، ويُقرأ كوثيقة رصينة تختصر كتابة تاريخ الفن التشكيلي السعودي منذ بداياته، كما يحتوي على ملخصات للسير الذاتية لفنانين وفنانات المملكة كتبت بأقلامهم، ويُتصفح كألبوم صور للوحات الفن التشكيلي السعودي. إنه كتاب يرضي جميع الأذواق الأدبية والفنية.

وما يجدر الإشارة إليه، أن قاعدة البيانات الواردة في الكتاب تُعد آلية واعدة لتوثيق الفنانين والفنانات، حيث يمكن الاستفادة من الرقم التسلسلي المخصص لكل فنان كمدخل لتوثيق أعمالهم، في حال تم اعتماد هذه الآلية من الجهات الثقافية والفنية المختصة. إذ يُمكن النظر إلى هذا الرقم بوصفه عنصرًا تنظيميًا أساسًا في بناء نظام وطني لتوثيق النتاج التشكيلي في المملكة. كما تمثل قاعدة البيانات هذه فرصة سانحة لتصنيف مؤلفات تشكيلية مستقبلية تُسهم في تأصيل بعض الاتجاهات والأساليب الفنية، وربطها بمنظومات إنتاجها وسياقاتها الزمنية. الكتاب، في مجمله، يُعد جهدًا توثيقيًا مميزًا ومفيدًا على أكثر من مستوى، سواء من حيث رصده التاريخي، أو توثيقه الواسع للحركة التشكيلية السعودية، أو ما يفتحه من آفاق للبحث والدراسة والتصنيف الأكاديمي.


كتاب حلّق في سماء الإبداع والتأليف متحديًا الذات، والأقران، وروح العصر. تجلّت في أقسامه عناصر الأصالة والدقة، متجاوزًا الكثير من انزلاقات التأليف التاريخي. ليس هذا فحسب، بل عزز أيضًا مفاهيم مجتمعية غائبة، وقيمًا نادرة مثل التعاون، والعرض الموجز الممتع لتجارب فرسان التشكيل السعودي، والتميز في مجال التأليف التاريخي الذي يستند إلى التنافس، والإنتاجية، والرعاية الحميدة.

فلمبان فنان يرى نفسه بكل تواضع رسّامًا، لا ينساق خلف المصطلحات الرائجة التي تُضخّم من شأن الفن وأهله. مع ذلك، وفق أبسط معايير الإبداع، هو فنان مبدع يحمل هويةً واضحة، ورؤيةً صادقة، ورسالةً ذات هدف. إنه فنان يغرق في الفكرة فلسفيًا وواقعيًا ووجدانيًا على متكأ رصين من الأسلوب والتقنية لا يجرؤ أن ينازعه فيهما أحد. ويؤكد على أن يكون هذا الكتاب، إلى جانب كتبه السابقة، قد حقق الفائدة المرجوّة، ولبّى الغرض من تأليفه ونشره. قائلًا:

“لقد بذلت فيه جهدًا خالصًا، تقديرًا لحراك الفن التشكيلي السعودي الذي عاصرته لأكثر من نصف قرن. ولست مؤرخًا، ولا ناقدًا، ولا كاتبًا محترفًا، وإنما مهتمّ شغوف يحمل في جعبته ما يستحق أن يُكتب ويُوثَّق من مواضيع تخص التشكيل السعودي، تصحيحًا لبعض المفاهيم، وتوضيحًا لما التبس، وتثبيتًا لما يستحق البقاء. إن اهتمامي بسرد أسماء “فرسان التشكيل السعودي” نابع من رغبة عميقة في التعريف بهم، وتوثيق مسيرتهم، وحفظ سيرهم من التلاشي تحت وطأة زحام العصر وغياب التوثيق المؤسسي والمعايير الرسمية. فكثير من الأسماء التي وردت في هذا الكتاب، كما في كتبي السابقة، لا يعرفهم الناس اليوم، وربما لن يعرفهم أحد غدًا، وسيطويهم النسيان إن لم نحفظ ذكراهم الآن، لأن التاريخ لا يُكتب وحده، ولا يحتفظ إلا بما يُدوَّن. وهذه الكتب، على تواضعها، ما هي إلا محاولات واجتهادات شخصية، مموّلة من مالي الخاص، وبدعم كريم ورعاية مشكورة من الصديق العزيز الدكتور عبد الله دحلان، فلعلها تجد مكانها في الذاكرة، وتؤدي رسالتها في الزمن”. 

سيرة فلمبان وإنجازاته تتجاوز حدود المقال، وحواراته الهادفة تثري الفكر وتتحدى القلم. إنه قامة تشكيلية تستحق التخليد في كتاب من ضياء، ومؤلفاته مساهمة جديرة بالتقدير. بل إنها فرصة لأرباب القلم لتوثيق الحركة التشكيلية السعودية، مسلطين الضوء على حراكها، جديدها، ومميزاتها الفريدة.

عليه، ففي هذا المقال المتواضع، يوجه فنانو وفنانات المملكة الثمانية عشر ألفًا، الذين أحصاهم كتاب (ذكرى التسعين)، أسمى آيات الشكر والامتنان للفنان أحمد فلمبان، والجهة الراعية جامعة جدة للأعمال والتكنولوجيا، بقيادة القائد في توثيق الفن التشكيلي، الدكتور عبدالله بن صادق دحلان.

صور الزيارة بعدستنا…

الأربعاء، 11 يونيو 2025

المحافل الدولية.. بألوان أحمد المغلوث

 

المحافل الدولية.. بألوان أحمد المغلوث

منذ أسبوع واحد

189

0

01 يونيو 2025 08:11:

فاطمة الشريف

في مشهد من الأصالة السعودية، تراصت الخيول العربية الأصيلة، وتلألأت السيوف النجدية، وتعطّر المكان برائحة القهوة السعودية، وأطايب العود، ترحيبًا ملكيًا يليق بالزيارة الكريمة للرئيس الأمريكي السابع والأربعين، دونالد ترامب، في الثالث عشر من مايو المنصرم. لم يكن الحدث مجرد مراسم بروتوكولية، بل تجلٍّت معه ذكريات العلاقة التاريخية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، في رمزية تجدد في الأذهان دور قوتين دوليتين لإرساء سبل السلام العالمي، وتعزيز الاستثمار والشراكة الاستراتيجية.

في قلب المشهد التشكيلي السعودي، وعبر أزمنة العقود السابقة، يبرز الفنان أحمد المغلوث بوصفه أحد رواد الفن الذين ساهموا في بناء سردية بصرية موثقة عن المملكة العربية السعودية، وقاد تجربة فريدة تتشابك فيها القيم التاريخية والإنسانية، المغلوث يعجز القلم عن سرد بطولاته التشكيلية وتاريخ لونه الفريد، تنوعت تكويناته، وتعددت موضوعاته، متنقلًا بين الذاكرة البصرية، والهوية الوطنية؛ لتوثيق التاريخ والأحداث على المستوى المحلي والدولي.

وما زال يحمل اللون والفرشاة موظفًا أساليبه التعبيرية لتدوين المحافل الدولية والمناسبات المحلية، معززًا فنه عبر لوحات قماشية متعددة الأحجام، وأخرى مبتكرة على الخوص (سعف النخيل)، وجداريات ضخمة، ولوحات كاريكاتيرية يدوية ورقمية، محتفظًا بثيم واحد لربط التراث بالمعاصرة في سردية تشكيلية سعودية.

في حديث عابر محتفى به عن لوحاته أكد المغلوث أنه ممن رسم الملوك السعوديين طيلة مسيرته الفنية في كلاسيكية راقية، ووثّق الكثير من المحافل الدولية والمناسبات الوطنية بواقعية ذات رمزية متفردة به، وأرّخ عبر تكويناته التعبيرية لبدايات التنمية والعمران والحرف الشعبية في المنطقة الشرقية والإحساء على وجه الخصوص، ورصد المرأة السعودية ويومياتها بتعبيرية مفرطة تبعث الحياة والديمومة في أرجاء لوحاته عنها. 

اقتنيت الكثير من لوحاته، وعُرضت في الكثير من المعارض المحلية والعالمية، ونُشر عدد منها على المواقع العالمية، وقد أشار في حديثه إلى أن أعماله كانت جزءًا من أول معرض لرواد التشكيل في المملكة عام 1398هـ،، الذي افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حينما كان أميرًا للرياض، وقد اقتنيت لوحاته كلها في ذلك المعرض، كما أكّد أن أعماله تنال دومًا تقدير الفنانين والنّقاد بشكل عام، وقد أشاد بفنه الفنان المصري العالمي جمال قطب، الذي اعتبر أعمال المغلوث “امتدادًا لصورة الوطن في المخيلة العربية”. وعن رصيده الفني الوطني، يقول بتواضع وفخر: “أنا أول من رسم ألعاب البنات والطفولة في لوحات فردية وجماعية، وأول من وثّق الحرفيين المحليين في أعمال تشكيلية”. 

يعد المغلوث ناشطًا اجتماعيًا، وقلمًا تشكيليًا، له أسلوبه في توثيق  مسيرته التشكيلية الذي دومًا يبدأ بعبارة: (كتب أحمد المغلوث) ومصورًا كاريكاتيريًا تعتز به الصحافة السعودية، ويعد اسمًا بارزًا في توثيق أعمال رواد الفن السعودي، ومن آرائه في حقوق التشكيليين أن ظاهرة اختفاء بعض الأعمال الفنية من مقراتها الرسمية، وانتقال بعض اللوحات دون موافقة الفنان تُعدّ في حكم المسروق وفق القوانين الدولية لحماية الحقوق الفنية، وأن توثيقها لا بد أن يشمل مكان اقتنائها وتاريخها وسياق عرضها.

من أولى لوحاته التي نُشرت في الصحافة العربية (القارئة الصغيرة)، وقد ظهرت في مجلة العربي الكويتية عام 1976؛ لتعلن عن ميلاد تجربة سعودية أصيلة، تدمج بين الواقعية والرمز، وبين التوثيق والروح الإنسانية.

من أبرز لوحاته: (اللقاء التاريخي السعودي الأمريكي) التي تصور اجتماع الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، حيث قال: “في لوحتي للقاء التاريخي، رسمت العَلَمين السعودي والأمريكي على الطاولة الصغيرة، ووضعتهما في خلفية المشهد، بينما تجاهلهما معظم من رسموا هذا الحدث. هذه اللمسة البصرية كانت محاولة مني لتمييز لوحتي عن غيرها، والتأكيد على التفاصيل الرمزية” وممن رسموا الحدث الفنان الأمريكي وليم جونسون (William Johnson) في معرضه (Fighters for Freedom) حيث تفوق المغلوث في رسم الحدث بواقعية لائقة راقية بعيدة عن التعبيرية والرمزية التخيلية، مؤكدًا: “جميع الصور الخاصة بالقيادتين السعودية والأمريكية، التي رسمتُ منها اللقاء التاريخي، كانت مأخوذة من سجلات الرئاسة الأمريكية. من يدّعي أنه يرسم مثل هذه اللوحات من الخيال، فهو إما واهم أو مضلل، الخيال الفني لا يعني الانفصال عن المرجعية البصرية، خصوصًا في المواضيع التاريخية”. 

ينتقل المغلوث من الحديث عن تجاربه الخاصة إلى تأملات عميقة في مفهوم الرسم من الخيال مستحضرًا في هذا السياق تجربة المستشرقين في رسم الشرق العربي والإسلامي. ويشرح كيف أن كثيرًا من هؤلاء الفنانين لم يكونوا يرسمون من الخيال المطلق، بل من ملاحظة دقيقة، و”إعداد مسرحي” يكاد يشبه إعداد مواقع التصوير السينمائي. بعضهم كان يستأجر منازل، ويؤثثها بما يناسب رؤيته، ويشتري الملابس التي يحتاجها، ثم يجلس أمامه “الموديل” –فتاة أو طفل– لأيام أو شهور. بعض اللوحات استغرق إنجازها سنوات، كما حدث مع لوحة “الموناليزا”، التي أنجزها دافنشي خلال فترة تتراوح بين سبع إلى تسع سنوات. ومع اختراع الكاميرا، أصبحت الأمور أسهل، فالصورة تُوثّق اللحظة، ثم يضيف الفنان لمساته لتجسيد فكرته”. 

ويختم حديثه قائلًا: “الفن مسؤولية، وهو وعي بالزمن، وتوثيق للهوية، واستشراف للمستقبل”. 

ختامًا تُعد تجربة المغلوث نموذجًا فريدًا من الفن الملتزم بالسردية الوطنية والهوية الثقافية، لم يكن مجرد رسّام لوجوه، بل فنانًا ذا رؤية، يسعى لحفظ الذاكرة البصرية للسعودية من خلال عمل فني عميق، يمكن أن يُدرّس ويُعرض في صالات ومتاحف دولية. وهو بذلك يجمع بين الأثر الجمالي والدور التوثيقي للفن، متجاوزًا حدود الزمان والمكان.

لوحة القارئة الصغيرة:

طريقة توثيقه لأحد أعماله المنشورة في مواقع التواصل، على إكس والفيس بوك:

“كتب أحمد المغلوث_ جمعه مباركة. ومبارك فوز فخامة الرئيس دونالد ترامب برئاسة أمريكا للمرة الثانية محققًا فوزًا ساحقًا على منافسه الرئيس السابق بايدن. وكنت رسمت فخامته في هذه اللوحة من وحي زيارته السابقة للمملكة ومشاركته مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان رقصة العرضة. اللوحة موجودة في سفارة المملكة في واشنطن.. أعيد نشرها بمناسبة تسلمه قيادة أمريكا من جديد…”. 

لوحة اللقاء التاريخي السعودي الأمريكي:

لوحة الفنان الأمريكي وليم جونسون (William Johnson) في معرضه (Fighters for Freedom) بعدستي

لوحة الاحتفاء بالشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. 

من لوحاته الكاريكاتيرية:

السبت، 4 يناير 2025

التّشكيلي نهار مطر: بدأت بالطباشير، واقتناء اللوحات ينقذها من الدفن








من الفنانين الذين نفتخر بهم في الساحة السعودية الفنان نهار مرزوق، وقد حاورته وفقا لعدة أسئلة جاوبني فيها ولازال هنالك الكثير من الحوارات مع هذا الفنان المبدع، وقد قامت محررتنا المبدعة 
\شهد عسيري بتحرير الحوار مشكورة وقد نشر جزء منه في مجلة فرقد والجزء الآخر سينشر في كتاب قادم بإذن الله تعالى...

روائع الأنامل المُحبّة للفن لا تأتي فجأةً دون صقل، فلكل موهبةٍ بدايةٌ متواضعة وحين يُدرك صاحبها الجمال الذي وهبه الله يبدأ العاقل الحذق بصقل تلك الموهبة، فالرّسام نهار مرزوق مطر مَلك ريشة بديعة، صقلها وشحذها حتّى صارت ذهبيّةً فاخرة، اتجه إلى الفنّ التّشكيليّ وأجاده وأبدع فيه، هو فنانٌ من الطّراز الرّفيع وفي الصفوف الأولى مكانه.

ولد الفنان نهار مرزوق في الثامن عشر من شهر مايو من عام ١٩٧٠م، حصل على شهادة البكالوريوس في التربية الفنية عام ١٩٩٣م، بدأ في الإهتمام بالفن مذ كان طفلًا، عامٌ يتلوه عام فيها يزداد حبّه للفن، فتعلم وقرأ وصقل موهبته حتى ارتقى في سلالم النّجاح، فكان أمينًا عامًا في بيت الفنانين التشكيليين في جدة عام ٢٠٠٧م، ثم ترقى فصار نائب رئيس بيت الفنانين التشكيليين في جدة هذا في ٢٠٠٨م، ثم صار مديرًا لفرع الجمعية السعودية للفنون التشكيلية في جدة.

قام بعمل معارض شخصية وجماعية، ومن الشخصية والتي بلغ عددها ستة معارض وكان أوّلها في عام ٢٠٠٨م وآخر معرض -للآن- كان في عام ٢٠٢١م، كانت هذه المعارض توجد في مُدن ودول مختلفة، فمنها ما كان في جدة وفي مكة ومنها ما كان في الإمارات تحديدًا في الشارقة وأبو ظبي، أمّا المعارض الجماعية فهي كثيرةٌ عديدة وأبرزها المعرض العام للرئاسة العامة لرعاية الشباب في عام ١٩٩٣م.

وقد كانت له مشاركاتٌ دوليةٌ كثيرةٌ وبارزة في أكثر من دولة ومدينة، ففي لبنان شارك في سمبوزيوم أهدن الدولي في عام ٢٠٠٥م، وفي المغرب العربي شارك في منتدى بيت الفن عام ٢٠٠٥م، وفي شرم الشيخ شارك في الملتقى الدولي الأول للفن
التشكيلي عام ٢٠٠٧م، وشارك في معرض أيام السعودية في صنعاء عام ٢٠٠٨م، وشارك في معرض طوكيو عام ٢٠١٠م، والكثير من المشاركات الفاعلة في الدول العربية وغيرها.

وقد بلغ من الخبرة الجمّة والحِسّ الفنّي العالي أن شارك في تحكيم وتنظيم مسابقاتٍ ومعارض عِدّة كانت أول مسابقة يُحكّم فيها هي مسابقة الفنية للأطفال في مهرجان التحلية بجدة عام ٢٠٠٠م، ونظّم معرض النجوم الأول في جدّة لكوكبة من كبار الفنانين
في المملكة العربية السعودية وهذا في عام ٢٠٠٨م.

وبعد سيرةٍ حافلةٍ من النّجاحات حصل فنّانُنا البارع على جوائز عديدةٍ كان أهلًا لها بلا شكٍ أو ريب، وكانت أول جائزة له: المستوى الثالث من المعرض العام للرئاسة العامة لرعاية الشباب عام ١٤١٣هـ، وقد حصل على العديد من الشهادات والدروع التقديرية وجوائز الاقتناء، ومن جوائز الاقتناء: مجموعة من اللوحات لمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة، ووزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ووزارة الثقافة والإعلام، وعـدد من رجال الأعمال في كل من السعودية والإمارات ولبنان ومصر والمغرب وفرنسا.

سيرةٌ حافلةٌ مليئةٌ بالإنجاز والبهاء والفنّ الزّاهي الجميل، وكيف لهذه السيرة ولهذه الشخصية ألّا تكون عضوًا مؤسّسًا في جمعيات فنيةٍ فاعلة! هو عضوٌ في مؤسسة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية (جسفت)، وعضوٌ في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وعضوٌ في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وعضوٌ في الجمعية السعودية لثقافة الفنون بجدة وعضوٌ في بيت الفنانين التشكيليين بجدة، هكذا يكون نِتاج تلك الأعوام المُكلَّلةِ بالتجارب الناجحة والأسفار المليئة بالثقافاتِ المختلفة.

حين نتحدث عن فنانٍ موهوب واجبٌ علينا الاستفاضةُ في معرفته أكثر وأكثر، وقد قامت مجلة فرقد الإبداعية من قسم الفنون البصرية بعقد لقاءٍ مع فنانِنا المُميز حيث سألناه عدّة أسئلة تكشف لنا عبقريّة الفنان وبديع ريشته.

بادِئ ما سُئل الفنان نهار مرزوق:
– ما هي أنشطة واهتمامات الفنان نهار مرزوق؟
الاسم نهار مرزوق، معلم تربية فنية، فنان تشكيلي، اهتماماتي تنحصر في كل ماله ارتباط بالفنون والثقافة والفنون البصرية بشكل خاص.

– كيف كانت بداياتك مع الرسم؟
بداياتي مع صندوق قديم في المنزل آخذ بقايا الطباشير وأنا في الصف الأول وأعود لأرسم كل ما يسعدني.

– من الذي وجهك ودعمك في بدايات رحلتك التشكيلية؟
الدراسة والقراءة الفضل بعد الله لها، فالقراءة عن الفنون ومتاحفها وزيارتها والاطلاع على تجارب الفنانين وزيارة مراسمهم نبع لا ينضب.

تحدث لنا عن حضورك التشكيلي على الصعيد المحلي والعربي والدولي؟
– هذا سؤالٌ صعب! كل ما عندي هو محاولات وتجارب أثمرت عن ستة معارض شخصية ومجموعة من المعارض المحلية والمشاركات مع زملاء الطريق في الدول المختلفة لتبادل ثقافي، لم أتخيل أن يكون بهذه الأهمية.

– ما الإضافة التي قدمها المبدع نهار مرزوق للساحة التشكيلية؟

– أحاول -وما زلت- أن أمد يدي للجميع بالمشاركة تارةً معهم في أنشطتهم وتارةً بعمل ورشٍ فنية لممارسة تجارب جديدة، وما زلت لم أقدّم ما أفخر به.

– دور الملتقيات التشكيلية في الساحة وكيف خدمت التشكيلي؟

الملتقيات التشكيلية التي يتم اختيار الفنانين بناءً على أهمية تجاربهم تجعل الزائر يستفيد من حضور أكثر من مدرسة وحضور أكثر من تجربة وكذلك بين المشاركين هناك مساحات للحوار والتبادل الثقافي المهم.

– ما اللوحات والمقتنيات التي قدمتها للساحة التشكيلية؟
اللوحات والمقتنيات كثيرة والحمد لله والفنان إذا استطاع أن يحصل على مساحة اقتناء فهو بذلك أنقذ لوحته من المخزن أو الدفن لها وهي لم ترَ النور.

– ما تأثير وسائل التواصل على التشكيلي؟
لم يتأثر الفنان بها بل على العكس فقد استفاد منها برؤية ومتابعة المستجدات حوله ولكن العمل على اللوحة وعرضها في صالات عرض الأعمال هو حقيقةً قد أبعدنا عن فرسان العالم الافتراضي.

– ماذا قدمت جمعيات ومؤسسات التشكيل للفنان؟
الجمعيات تسعى دومًا لحماية الفنان والوقوف معه في البرامج المحلية والدولية ودعمه إداريًا ولوجستيًا ولذلك يجب أن يكون لديه انتماء لها فهي منه وله.

– ما هي برامجك وأنشطتك الفنية القادمة؟
أقوم بتجهيز معرضي السابع وأشتغل على الأعمال الجديدة، وأتشرف بكم.

– ماذا يريد التشكيلي من وزارة الثقافة (هيئة الفنون البصرية)؟
الفنان يريد من هيئة الفنون البصرية أن يعرفوا عددًا أكبر من التجارب الفنية المحلية، والتّعرف على الفنانين، فالمعرفة ستوصلهم إلى ما يحتاجون.

– في معرضك الشخصي السادس في الرياض لماذا استخدمت الحصير في الأعمال وما هو المدلول منها؟
حاولت التعبير عن المكان الذي عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحجرة السيدة عائشة رضي الله عنها التي أسلم فيها الروح على حصير كما كان عليه الصلاة والسلام يعيش على الحصير بكل بساطة وقرب للطبيعة.

– المجموعة الأخيرة من أعمالك رسمت السجاد الموجود في الحرمين الشريفين، لماذا السجاد؟

أعتقد أنك إذا لبّيت دعوة الصلاة في الحرم والملائكة الذين قادوا عبورك لهذه لحياة، وحملت أنت نفسك تبحث عن النور وتتجنب الظلال، حتى تيقنت أنهما شقيقان في الحياة فلا هروب للظل ولا الالتقاء بالشمس كان هو النجاة، بل السّجدة التي سجدتها على تلك السجّادة لتكون هي آخر ذكراك بالمكان وآخر عطر تلك اللحظات التي تصعد بك وبعملك للسماء، فرسمت ذلك المكان وعبّرت عنه.

كما نعلم أن المواهب هبةٌ يرزقها الله من يشاء، والفطن هو من يستعملها ويبرزها في مكانها المناسب، وهذا ما فعله الفنان نهار مرزوق، هباه الله يدًا رشيقة ترسم وتُبدع وتترجمُ أفكار ومشاعر تفيض بها نفسه ونفس محبيه، أتقن الرّسم فأخرج لنا لوحاتٍ تطير بنا في الخيال والشعور الذي بثّه في أعماله، كثير الطّرق والمَد والتّجارب المُتعددة الكثيرة لا تخرج لنا إلّا فنًا يأسر الألباب والعقول، فالتّمام دائمًا يأسرُ ويسلب بإعجابٍ وحُب.

ونختم مقالتنا التي ازدانت بذكر سيرة الفنان نهار مرزوق مطر بقول الفنانة التشكيلية والكاتبة فاطمة الشّريف:
نهار مرزوق فنان أمتعنا كثيرًا، وقدّم لنا المدرسة التأثيرية بروحه المرحة الشغوفة المتعاونة المبدعة فامتزجت تلك الروح مع ألوانه وتكويناته فأخرج لنا فنًا مميزًا واتجاهًا مبدعًا وطرحًا فريدًا، نهار من أوائل من قدّم لنا لوحات كبيرة وجداريات متسعة على أسطح متنوعة برزت فيها الرموز الإسلامية بألق وجمال مذهل عبر مواقع تواصله، أعطى وما زال يعطي بسخاءٍ للفن وأهله. نهار ليس تشكيليًا فحسب بل هو خطاط ومهني من الطراز الأول يصنع ألوانًا وشبولونات وتكوينات خاصة به ليجعل فنه محفورًا في ذاكرة المتلقي وخالدًا في سجل فناني رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠.










المعرض الشخصي الأول للتشكيلي حسن سعيد





من المعارض التي حضرتها، وقامت نيابة عني المحررة شهد عسيري كتابة المقال المنشور في مجلة فرقد وفقا لما تم تزويدها به من معلومات عن الفنان : سيرته الذاتية وصور المعرض، افتتحت مقالها الرائع قائلاً:  "الفن لم يكن يومًا حِكرًا على مرحلة دارسية، فالفن مجالٌ يجيش بمكنونات النفس، ويموج في المشاعر الإنسانية التي تتغير وتتبدل من حينٍ لآخر، فرسم اللوحات الزّاهية ونحت المنحوتات الفاخرة ورصّ الكلمات لتكون شعرًا أخّاذًا أو نثرًا بارعًا، لم تكن هذه الفنون وغيرها محصورةً في فئةٍ من النّاس أبدًا، فالفنّ للجميع، وذلك كان وسيكون أبد الزمان، وكُل من يملك حسًا فنيًّا وذائقةً فاخرة حُقّ له التعبير عن تلك المشاعر بالطريقة التي تميل نفسه إليها، وهذا هو حال الفنان البديع الأستاذ حسن سعيد."

ومما نثرته عن الفنان وخلفيته الفنية أنه:
"بكالوريوس زراعة – تنسيق حدائق، هذا هو تخصص الفنان حسن سعيد، بدأ به وأحبّه ووجد فيه جزءًا من نفسه، لكنّه لاحظ وجود مكنوناتٍ كثيرة ما استطاع تخصصه الإعانة في إظهارها أو ترجمتها، وكان قد امتلك موهبة الرسم والخطّ العربي، فسعى في إتقان هذين الفنّين، فصار بذا حاصلًا على شهاداتٍ في دوراتٍ كثيرة في الرسم التشكيليّ والخطّ العربيّ، فوضع قدميه على أول سلالمِ النّجاح، فصار له ما أراد بإذن الله تعالى."

"بعدما صارت ريشته واثقةً زاهية، وخطُّه مُتقنًا بارعًا، شارك في معارض ومسابقاتٍ كثيرة، عرض فيها فنّه الجميل بأبهى حُلَلِه. في جدة عام ١٩٩٧هـ – ٢٠٠٤م، في معارض بيت التّشكيل كانت انطلاقته التي تكللت بالنجاح، ثم بعد عدّة سنوات شارك في معارض أخرى وشارك بلوحة في مسابقة سوق عكاظ (لوحة وقصيدة) التي كانت في عام ١٤٣١هـ – ٢٠١٠م، فطار صيته فيها وذاع، وما صار ذا إلّا لتمام العمل، وكمال الفنّ، وسموّ الرسالة."

في معرضه الشخصيّ الأول الذي عُقد خلال شهر أغسطس ٢٠٢١م في جاليري النقطة البيضاء بمركز سلمى للفنون بجدة، عُرضت له فيه قرابة خمس عشرة لوحة وكان من بين زوار المعرض الكاتبة والفنانة التشكيلية فاطمة الشريف، حيث رصدت لقراء مجلة فرقد انطباعاتها عن المعرض الموسوم (صور مني) فقالت:

” المعرض الشخصي الأول للتشكيلي حسن سعيد كان مجموعة متناغمة متجانسة من الأعمال التي تعكس جل تجربته التشكيلية السائرة بخطى فنية واثقة متطورة؛ لتكتشف الجديد المائز، بدأ بالتنقل بين اتجاهات وأساليب تشكيلية متنوعة وصولًا نحو ما يميّز ريشته وألوانه، معبرًا لما يحمله من مشاعر وقيم وطرائق خاصة به، باحثًا في عمق تلك التجربة لإظهار الأجمل والأنقى في معرضٍ كان بالفعل يعرض صور نفسية وجمالية من روحه السامية، من لوحاته ذات البعد الديني والوطني وما يعزز لدى الزائر قيم إسلامية ووطنية غاص الفنان في معانيها؛ ليرسم لنا أدق تفاصيلها منتقيًا أزهى ألوانه وأرق تقنياته، ومن لوحاته ذات الطابع الشعوري التي نبع من مخزون الذاكرة الصافي البريء؛ ليعش القارئ مشاعر الحنين والشوق تارة ومشاعر الطموح تارة ومشاعر الفرح بألوانه وصخبه وشغبه تارة أخرى، إنه معرض متنوع حرّك سواكن الشعور والأحاسيس الصافية الهادئة التي قلت من المعارض الشخصية تحرّكها..”.

واختتمت المقال شهد عسيري قائلاً:

"الرّسام دائمًا ما يضع في لوحاته أجزاءً من نفسه، ولا تحلو تلك الأجزاء وتخترق الألباب إلّا لصدقها وعمقها وجميل رسالتها، هذه هي رسالة الفنّ الحقيقة، الفنان حسن سعيد ضمّن أجزاءً عزيزةً من نفسه ومزجها بمفاخره ومشاعره فأخرج لنا لوحات غايةً في الصّدق والقوّةِ والحياة، صدقت عاطفته فترجمت أنامله هذا الصّدق وجاء عقله فسدّ الخلل فجاء بلوحاتٍ مضى كلّ من شاهدها منبهرًا سعيدًا منتشيًا من ذاك الجمال الذي لمسه، هكذا يكون الفن وهكذا يكون الفنان.

هذا المعرض كان كما رسمه زواره من التشكيليين والنقاد فهو آيةٌ في الفنّ والعُمقِ والجمالِ والبهاء، قد حضرته نُخبةٌ من الفنانين منهم: الدكتور طلال أدهم والفنان أحمد الخزمي والفنان نذير ياوز مالك الجاليري."

وأستعرضت  اقتباساتٍ من آراء الفنّانين الذين أبدوا إعجابًا باذخًا بهذا المعرض الزّاهي:

 يقول الاستاذ زهير مليباري: “حَظِي الفنّ التشكيليّ في مملكتنا الحبيبة بالاهتمام البالغ من كافة أطياف المجتمع، وبات يساير ويماشي رؤية المملكة ٢٠٣٠ فتنوعت الأساليب واختلفت الاتجاهات وتعدد التناول فبذا أُثريت الساحة التشكيلية وصار الفنان يقطف من ثمار هذا الازدهار، مسجلًا بصمته الخاصة، وهذا ما قدمه الفنان حسن سعيد في هذا المعرض من طرحٍ احتوى على أعمالٍ ولوحاتٍ فنية تتحدث عن تجربته وتضيف للساحة الفنية بعدًا خاصًا يجب وجوده”.

ويقول الفنان شاهر الشهري مُعبرًا عمّا لمسه في فنّ الفنان حسن سعيد فقال: 
“الفنّ ثمرةُ الإبداع الإنساني، فيترجمه الإنسان فنًا ذا سمةٍ خلّاقةٍ بديعة تعكس انفعالاته وأحاسيسه ومكنوناته ونظرته العميقة لما حوله، فتجد الفنان يُحاكي ما حوله ويطيرُ ماشيًا في فضاءات خياله وواقعه ليُبدع لنا لوحةً رائعةً مُميّزة، فيخلط الألوان، ويخطّ الأحرف؛ ليُصيّر لوحةً فتّانة تجذب الألباب والأبصار، وهذا ما يميز الفنان البديع حسن سعيد في لوحاته ومواضيعه المطروحة فيها”.

واختتمت عسيري المقال قائلاً:
"ولأن ما تخرجه أنامل الفنان حسن سعيد لوحات مُبهرٌ ذات إيحاءٍ بهيج اقتنى استديو التلفزيون السعودي الموجود في مكة المكرمة بعضًا من جميل لوحاته التشكيلية، واقتنى العديد من رجال الأعمال وأساتذةِ الجامعات أيضًا عددًا كبيرًا من لوحاته البديعة."

.

.




.
.
.


.
.
.


.
.
.

.
.
.



.
.
.



.
.
.



.
.
.



.
.
.


.
.
.

.
.
.

.
.
.


.
.

روابط مقالاتي لأبرز مقالاتي لعام 2025

ما الأيامُ والشهورُ والأعوامُ إلا بعضٌ من أعمارِنا، وما نحنُ جميعًا إلا خَلْقٌ من خَلْقِ الله. ولذلك قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز...