‏إظهار الرسائل ذات التسميات تشكيل وفنون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تشكيل وفنون. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 ديسمبر 2025

الهجرة النبوية.. رحلة عبر الزمكان واللون

 

الهجرة النبوية.. رحلة عبر الزمكان واللون

منذ 6 أشهر

759

1

رابط المقال بقلمي

01 يوليو 2025 07:51: م

فاطمة الشريف* 

مع إطلالة عام 1447هـ، احتفى خاطري بحادثة الهجرة النبوية، وسافر قلمي في رحلة عبر الزمان والمكان واللون، مسترجعًا التاريخ، ومستعيدًا المواقف والأحداث، ومبتهجًا بألوان الفنان التشكيلي نهار مرزوق التي عبّرت عن رموز المسجد النبوي الشريف. في رحلة زمانية، جمعتُ أسئلتي ونثرتها في الفضاء الإلكتروني الرحب، مستعيذة بالله من شره، وسائلة خيره، مستخلصة من صحيح القول، ومنطقي الفكر، ما يُثري العقل والروح، فكان ذلك بمشاركة أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي نقاشًا حول الخلفية التاريخية لنشأة التقاويم العالمية، فعلمنا أن التقاويم في العالم تتنوع بين شمسية، وقمرية، وقمرية شمسية، وأن عدد شهورها يتراوح بين عشرة وتسعة عشر شهرًا، لتعكس بذلك تنوّع ثقافات الشعوب وعلومها، واختلاف ديانات الأمم وحضاراتها. كما أمكن تصنيف هذه التقاويم إلى ما قبل الميلاد وما بعده. وقد أفضى هذا النقاش الطويل والماتع إلى الاتفاق على بيننا:

إن اختلاف الحضارات واحتياجاتها الدينية والزراعية والإدارية، إلى جانب تأثير بيئتها الجغرافية، أدى إلى تنوع ملاحظاتها الفلكية. فمثلًا، اعتمد المصريون القدماء (3000 ق.م) تقويمًا شمسيًا مرتبطًا بفيضان النيل، بينما طورت حضارة المايا (2000 ق.م) في إمريكا الوسطى تقويمًا معقدًا لتتبع الدورات الفلكية. في حين اعتمد اليهود تقويمًا قمريًا- شمسيًا، كما فعلت الحضارة الصينية، لمواءمة المواسم والأعياد. كما طورت الحضارة الأمازيغية تقويمًا شمسيًا، والبوذية تقويمًا قمريًا- شمسيًا، بينما اعتمد الرومان تقويمًا بدأ قمريًا ثم تحول إلى شمسي. ثم ظهرت تقاويم لاحقة عكست تفاعل الحضارات مع الزمن لتلبية احتياجاتها الفلكية والدينية والإدارية. فظهر التقويم اليولياني (45 ق.م) بإصلاح شمسي دقيق للإمبراطورية الرومانية، تلاه التقويم الهندي القومي (78 م) الشمسي لتسجيل الأحداث في الهند. ثم جاء التقويم القبطي (284 م) المستند إلى التقويم المصري القديم للكنيسة القبطية.

ومع بزوغ نور الإسلام، والبعثة النبوية الشريفة، وفي العهد الإسلامي للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم الهجري (622م) تقويمًا رسميًا للمسلمين، وربطه بالسنة التي هاجر فيها النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وجعل بدايته شهر محرم معتمدة على الشهر القمري بأيامه التسعة والعشرين أو الثلاثين، المرتبط برؤية الهلال، وذلك لتحديد مواعيد إقامة الشعائر الدينية الكبرى كالحج والصيام. وقد استند هذا القرار إلى إيمان الصحابة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 36)، وكما جاء في حديث النبي ﷺ: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.” وقد اتفقت رؤية عمر بن الخطاب مع الصحابة على أن يكون شهر المحرم هو بداية السنة الهجرية، نظرًا لأنه من الأشهر الحرم، ولأنه يأتي بعد انصراف الناس من أداء الحج، على الرغم من أن الهجرة النبوية لم تقع في شهر المحرم، بل وقعت في ربيع الأول، وقيل في صفر، وهكذا، شكّل التقويم الهجري حدثًا تاريخيًا عظيمًا، أعاد ترتيب الأيام والشهور وفق منطلق إيماني وحضاري، يؤسس لهوية الزمن الإسلامي المرتبط بالعقيدة والعبادة.

وفي القرن الحادي عشر الميلادي، ظهر التقويم الفارسي الشمسي لإيران وأفغانستان، وفي القرن السادس عشر، تحديدًا عام 1582م، اعتمد التقويم الغريغوري إحتفاءا بميلاد المسيح عليه السلام، الذي أصبح معيارًا عالميًا بدقته. ثم ظهر التقويم البهائي عام 1844 م للديانة البهائية، وأخيرًا التقويم الياباني عام 1873 م، الذي دمج التقويم الغريغوري مع حقب الإمبراطورية اليابانية؛ ليختم العالم تحديث التقاويم في نهايات القرن التاسع عشر، ولا نعلم ما يمكن أن تحدثه التقنية الحديث من تحديثات في التقاويم، أم يصبح للتقويم الميلادي والهجري السيادة العالمية.

في ثنايا هذه الرحلة الزمنية علمنا أن الشعوب والحضارات تبني بعضها البعض، وتستفيد من خبرات بعضها، وأن الله يُقيِّض لدينه من ينصره ويُعلِي شأنه، وإن اعتماد التقويم الإسلامي على حادثة الهجرة النبوية مؤشر صائباً لمولد أمة، ونشأة حضارة، وبداية رحلة عالمية شقّ الضياء فيها عن حوادثَ مفصليةً، ومواقفَ حاسمةً؛ لتصبح نقطة تحول في تاريخ البشرية قاطبة، أسس الله بها مدرسةً نبويةً قادها النبي الهاشمي؛ يهدي إلى النور، ويرشد إلى الحق، ويعلّم الدين، ويقود إلى سوء السبيل، وأخرج الله به خير أمة للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجادل بالحكمة والموعظة الحسنة، إنها بمثابة وميض دائم في القلوب، وذكرى تتجدد مع بزوغ شمس كل يوم، وحدث ينقلنا عبر الزمان والمكان في أحداث تاريخية تجلّت فيها مصفوفة القيّم المحمدية، ومنظومة الفكر الاستراتيجي، وقواعد الإبداع والقيادة التحويلية، ورموز السيادة وسؤددها، يعلو ذلك كله الرحمة والإيثار.  

وفي رحلةٍ عبر المكان، سرح بي خيالي في المشروع السعودي الرائد (درب الهجرة – على خطاه) الذي يجسد مسار هجرة النبي محمد ﷺ من مكة إلى المدينة عبر تجربة سياحية وروحية لمسافة تمتد  إلى 470 كلم، متنقلة بين المعالم التي خطاها الحبيب المصطفى ﷺ، متأملّة جبالها وأوديتها، ومستحضرة في كل زاوية قصة أو موقف أو معجزة نبوية، وفي كل صخرة أثر، وكأن الأرض لا تزال تحفظ وقع قدميه الشريفتين، ودفءَ الصحبة، وأصوات الدعاء في ليل الصحراء. هناك، بين طرقات الهجرة، يختلط التاريخ بالعاطفة، فينبض المكان بالذكرى، وتفيض الروح بخشوع المحبة. ويبتهج الخاطر برؤية المشروع وبرامجه وأنشطته، حيث يضم  المشروع الذي أُطلق رسميًا في 27 يناير 2025، على أن يبدأ تشغيله الفعلي في نوفمبر 2025 ويستمر مبدئيًا لمدة ستة أشهر، محددا 41 موقعًا تاريخيًا مرتبطًا بأحداث الهجرة، ويشمل المشروع 5 محطات تفاعلية، ومتحفًا للهجرة، و8 مخيمات فاخرة، و62 محطة استراحة، وأكثر من 80 مطعمًا ومتجرًا، إلى جانب خدمات طبية وأمنية ومرشدين دينيين. 

صُمم المشروع لاستيعاب 12 ألف زائر يوميًا، مع إمكانية التنقل باستخدام وسائل بيئية كالإبل والعربات الكهربائية، ويقدَّم فيه محتوى تفاعلي بتقنيات الواقع المعزز، وورش تعليمية تحاكي أحداث الهجرة، وتستغرق الرحلة الكاملة قرابة 9 أيام، من غار ثور قرب مكة حتى المسجد النبوي، وتهدف إلى تعزيز السياحة الثقافية والدينية، وربط الزائرين بتراث السيرة النبوية.

مع الإعلان عن مشروع (درب الهجرة – على خطاه) والحماس المتزايد للقراءة والبحث حول هذه الرحلة المباركة، برز أمامي اسم قامة علمية من أبرز الكتّاب السعوديين المعاصرين الذين تناولوا الهجرة النبوية، وهو الدكتور عبدالله حسين القاضي. ومن أبرز مؤلفاته في هذا السياق: “الهجرة النبوية المصوّرة” و”الأميال الحجرية“، إلى جانب أحد أمتع أبحاثه المنشورة بعنوان: (إنتاج أول خريطة رقمية للمعالم المكانية لطريق الهجرة النبوية باستخدام أنظمة الرصد العالمية ونظم المعلومات الجغرافية). في هذا البحث اعتمد الدكتور القاضي على الوسائل التقنية الحديثة لتحديد مسار الهجرة، موظفًا أنظمة الرصد والملاحة العالمية، ونظم المعلومات الجغرافية، إضافة إلى معايير التوصيف العلمي. وقد بيّن أن طول طريق الهجرة يبلغ نحو 430 كيلومترًا، مقسّمًا على ثمانية أيام. كما أشار إلى ثلاثة معالم رئيسة سبقت وصول النبي ﷺ وصاحبه إلى غار ثور، وهي دار السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وفناء دار أم هانئ الذي أصبح لاحقًا سوقًا يُعرف بالحزورة ويقع اليوم ضمن توسعة الحرم، في موضع منارة باب الوداع الذي قال عنده النبي ﷺ: “والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، وأخيرًا دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي يقع اليوم ضمن منطقة أبراج البيت، وقد وزّع الدكتور القاضي معالم الطريق، البالغ عددها واحدًا وأربعين معلمًا، على مدى ثمانية أيام، موثقًا كل محطة في هذه الرحلة الخالدة:

اليوم الأول ومعالمه هي: جبل ثور والشرايع، أسفل مكة (غربها)، الساحل، بطن مر، كراع الغميم.

اليوم الثاني ومعالمه هي: أسفل عسفان، أسفل أمج، خيمتي أم معبد، قُديد، معارضة الطريق بعد قديد، وادي كلية (حادثة سراقة بن مالك)، الجحفة، الخرار.

اليوم الثالث ومعالمه هي: غدير خم، ماء أحياء، ثنية المرة، وادي لقف.

اليوم الرابع ومعالمه هي: مدلجة لقف، مدلجة مجاج، مرجح مجاج، مرجح ذي العصوين، بطن ذي كشد، الجداجد، الأجرد (الأجيرد)، بطن ريع، وادي ذي سلم، مدلجة تعهن، العبابيب (الغثريانة)، الفاجة، القاحة.

اليوم الخامس وله معلم واحد فقط هو العرج والمسمى بالمنبجس.

اليوم السادس ومعالمه هي: الجدوات، ركوبة، ثنية الغائر، وادي ريم.

اليوم السابع ومعالمه هي: الخلائق (بئر الماشي)، وادي العقيق، الجثجاثة.

اليوم  الثامن ومعالمه هي: طريق الظبى، والعصبية، وأخيرًا قباء (حرار المدينة).

لقد قدّم لنا القاضي، بين سطور بحثه، وألوان خرائطه مسارَ رحلة الهجرة، مستعرضًا أبرز معالمها من خلال جداول بيانية، وصور فوتوغرافية لأشهر الأودية  والآبار والمدالج، موثّقًا لعدد من المواقف والحوادث والمعجزات النبوية التي وقعت في تلك المعالم، مقدمًا هذه الدراسة بأسلوب سلسل ماتع معاصر لأعظم رحلة لإمام البشر وخاتم النبيين وسيد المرسلين، عليهم أفضل الصلاة وأتمّ السلام.

ومن قباء إلى المحراب النبوي، يأخذنا المبدع نهار مروزق في رحلة فنية عبر جنبات المسجد النبوي، مستخدمًا مجموعته اللونية في معارضه المتنوعة. فقد وظّف الحصير للتعبير عن بساطة المكان الذي عاش فيه الرسول ﷺ، واستحضر حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها التي أسلم فيها النبي الروح، في رمزية خلاّقة تعكس الزهد والتواضع. كما رسم سجاد الحرم تذكيرًا بأهمية الصلاة، وتلبيةً للنداء بحثًا عن النور، فكل سجدة على ذلك السجاد تمثّل ذكرى تقترن بقدسية الزمان والمكان، وبرشاقة اللون، وتأثيرات الفرشاة السحرية، وتمازج ألوانه البلورية، جسّد الروضة الشريفة، والمحراب، والمنبر النبوي، وأعمدة المسجد وأركانه، وساحاته ومظلاته، معتمدًا على الدمج بين الأساليب التعبيرية والتأثيرية. وقد ركّز على تعميق الفكرة من خلال استكشاف مساحات مبتكرة، مؤمنًا بأن التطوير والسمو الروحي قيمة أساسية في رحلته الفنية. ويصف أعماله بأنها ليست مجرد لوحات، بل مساحات للتأمل والبحث عن المعنى، حيث يشعر بالرضا التام بعد إنجاز العمل، لاسيّما حين يصفه كتجربة روحية وفكرية. كما وظّف الزخرفة والخط العربي في تجلّيات روحانية تُحفّز على السكينة والسلام الداخلي، وإبداع في استخلاص أبرز رموز المدينة من شجر وصخر، ومنارات وقباب، وأعمدة وبوابات، في تكوينات لونية أنيقة تهمس قائلة: إنها المدينة المزهرة المشرقة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم وآله الكرام وصحبه الأخيار، ومن تبعهم إلى يوم الدين.

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

 

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

منذ 5 أشهر

538

1

رابط المقال بقلمي

01 أغسطس 2025 07:54: م

في مساء هادئ، برفقة أولادي الذين دومًا يشاركونني فضول الاكتشاف، تارة بشغف البحث عن الجديد، وتارة نزولًا لطلبي، وأخرى رغبة في الصحبة، رتّب القدر الجميل زيارةً إلى مرسم اختزن بين جدرانه حكايات الفن، وأسرار الحفاوة والتكريم، وبين ردهاته قصصًا لأجيالٍ لم تُحكَ بعد، ومعارض فنية لم تستعاد.


كانت الزيارة دون برنامج محدد، لكن سرعان ما مضى الوقت ممتعًا مرتبًا، حتى أصبحت زيارة بثلاث فقرات ممتعة مذهلة. استقبلنا الفنان ببشاشة وترحاب، دلفنا جميعًا إلى مجلسه الرئيس القرمزي المتواضع، الذي زُيّنت جدرانه بأعماله الطباعية، أضاء المكان بخصلات شعره الأبيض، مسترشدًا بعصاته التي أضفت عليه هيبة على هيبة. بدأ الفنان حديثه الدافئ عن نفسه مسترجعًا ذكريات ترشيحه لدراسة الفن في روما، بإشارة مهذبة وابتسامةٍ دافئة معتذرًا:
“اعذريني، فأنا لا أسمعك… فقدت السمع بسبب عملية القلب المفتوح”.


جاءت العبارة كافية لتفتح لي أبوابًا من التأمل لرجلٍ ملأت لوحاته تجسيدًا لونيًا لمآسي الفقر والبؤس، وغوصًا ماهرًا في عوالم المهمشين واللا منتمين، وتصويرًا بديعًا للمشاعر والأحاسيس الإنسانية. حديثه وصوته، تركا في ذهني ذكرى لا تُمحى، ومما زاد من دهشة قصته كيف أن القدر اختاره للفن التشكيلي، رغم أنه كان في بداياته مشروعًا موسيقيًا يعزف على الكمان والتشيللو، وكان يرافق رواد الطرب مثل محمد عبده، وطلال مداح، وطارق عبد الحكيم… كانت قصة ابتعاثه إلى روما لدراسة الفن التشكيلي، بقرار مباشر من وزارة المعارف آنذاك، تجسيدًا لإيمانها بموهبته ورؤيته الفنية، ومنحة كريمة لصقل مهاراته في قلب عاصمة الفن الأوروبي. 

إنها قصة عطاء وطني نبيل، تلتها قصة وفاء وعرفان خالص منه.


لم تمضِ دقائق حتى انساب الحديث بهدوء عن مشروعه الكبير في توثيق التشكيل السعودي، وعن كتبه السبعة المنشورة التي ألّفها بجهد ذاتي، هي: التشكيليون السعوديون، وفن في نصف قرن، وذاكرة على السطح، وإضاءة للذكرى، وماذا؟ ولماذا؟، وإبداع لا ينضب، وحكاية أجيال، إضافة إلى كتابه الموسوعي الثامن، مع ما كتبه ونشره فيما يقارب من 400 مقالة عن الفن السعودي، ولا يزال قلمه يفيض اجتهادًا ومواكبةً ورصدًا لمسيرة التشكيل السعودي منذ أكثر من نصف قرن، متحررًا في أسلوبه من نمطية السرد التاريخي والنقد الفني، مكتفيًا بما اختزنته ذاكرته، وما جمعه في جعبته من معلومات ومفاهيم عن الفن السعودي. تارةً يوثق مسيرة الفنانين والفنانات عبر الكتب، وتارةً يكتب في الصحف ناقدًا ومحذرًا من زيف الشهرة وبريق التلميع الأخرق. وله زاوية ثابتة في مجلة “فرقد الإبداعية” بعنوان “ولي رأي،” يحذر فيها من سقطات الفن الزائف ومتاهاته.

إنه كاتب تشكيلي وفنان مبدع بدأت مسيرته الفنية في المعرض الدولي لمنظمة اليونسكو في روما Apello 70 في عام 1968؛ لتتوالى مشاركته في أكثر من 813 معرضًا وفعاليات أخرى متعددة، و25 معرضًا شخصيًا محليًا وعالميًا، إضافةً لعدد من الأوسمة والجوائز الدولية مثل: جائزة منيرفا الإيطالية، والجائزة الأولى في بينالي البحر في روما. 


عصفت بي ذاكرةُ الأيام في مجلسٍ تتوسطه طاولةٌ عليها عصيرُ الرمان، لتعيدني إلى ضيافة بنجابي رحمه الله تعالى، وعصير التوت الذي قدّمه لي حين دعاني إلى مرسمه في جدة التاريخية، خلال أيام المعرض الأول لمبادرة فكر وفن ونشر، لم يكن لقاءً عابرًا بل لقاء أجيال، إنها لقاءات جمعت بين رؤى تشكيلية احترافية، وشغفٍ عميق، وبحثٍ دؤوب في جماليات اللون، بل كانت تقاطعًا حاذقًا بين رؤيتين: إحداهما غارقة في التوثيق، والتجربة التشكيلية، والإبداع الفني؛ والأخرى تنقّب عن الفن بمعيارٍ نقدي عالمي يتجاوز حدود الإعجاب والانبهار، ويتخطى الزمان والمكان.


وما هي إلا لحظات حتى أدار المضيف دفة الجلسة بحفاوة تنمّ عن ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ليحتفي بضيوفه بتقديم مجموعة من مؤلفاته، ولوحتين حديثتين تحملان توقيعه وأسلوبه التشكيلي المتفرّد، واختتم ذلك بإهداء صندوقين نسخًا من كتابه (ذكرى التسعين) إهداء لفناني وفنانات الطائف، في لفتة تجسّد امتزاج الذكرى بالإنجاز، والاحتفاء بالتجربة الثقافية التشكيلية المميزة.


في تلك اللحظة، جاء قرار دخولي إلى مرسمه الصغير مرحبًا به، ذلك المرسم  الكبير في معانيه وذاكرته وألوانه، إنه بمثابة عبور إلى عالم موازٍ، حيث تتراكم الألوان على لوحات جديدة لمعرض قادم، باستخدام عدد قليل من أنابيب الألوان الزيتية، ومجموعة من السكاكين، وعلبة من الزيت، مع مصباح إضاءة، لتدرك للوهلة الأولى أنه فنان كلاسيكي من الدرجة الأولى، له تجربة فنية باتت مع السنين تقنية خاصة به، يتقن أبعادها وطرقها، عبثًا أن تسأله أو تحاكي أسلوبه، إنها تقنية العقود وأسلوب الرواد، أما جدران المرسم الصغير الكبير أمست سديمًا درّيًا حافلًا بالشهادات، والدروع، والأوسمة، وبعضًا من اللوحات المهداة إليه، مرسم دافئ بوحه، عميق رمزه، تعجز الكلمات عن وصفه.

لم تكن زيارة عابرة، بل كانت احتفاءً منظمًا صنعه ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ومجلسًا تربويًا أسعد أولادي، وحفر في ذاكرتهم قصة فنانٍ موسوعيّ، يحمل في ريشته ذاكرة فن للوطن، وفي ملامحه صمتٌ عميق يُجيد الكلام… ويجيد الحكاية بالألوان، ومضيفٌ طائيٌّ سخيّ.


الفقرة الثالثة من البرنامج بدأت عند عودتي إلى المنزل؛ حين جلست بمفردي أتصفح الكتب المُهداة، أقرأ في صفحاتها، مسترجعة صوته وحديثه، لأقف على نتاج فكري لشخصية حرّكها إيمانٌ عميق برسالة الفن ودوره في الذات والمجتمع، مشمرًا عن ساعديه بناء ذاكرة بصرية متفرّدة لتشكيل هذا الوطن.

أما مؤلفه الثامن: “ذكرى التسعين” فهو مشروع توثيق رصين، لا أظن أن له نظيرًا في مجاله في هذه الفترة، يؤكد الفنان أحمد فلمبان عنه قائلًا: “قد يظن البعض ممن لم يطالع كتاب “ذكرى التسعين” أنه مجرد تكرار للأسماء الواردة في كتب سابقة، أو تجميع لما جاء في “حكاية أجيال” و”إبداع لا ينضب”، لكنه في حقيقته عمل منهجي دقيق، ورؤية تصحيحية شجاعة في تاريخ الفن التشكيلي السعودي“.

 مشيرًا إلى أن “هذا الكتاب لا يكتفي بسرد الأسماء، بل يسعى إلى توضيح البيانات والمعلومات التي أسقطتها كثير من المصادر والمقالات والكتب السابقة، تلك التي تجاهلت -عمدًا أو سهوًا– نصف قرن من تاريخ هذا الفن. لقد أغفلت تلك المصادر البدايات الحقيقية، وتغافلت عن الأسماء التي شكّلت النواة الأولى للممارسة التشكيلية في المملكة، رغم أنها تمثّل أقدم الإشارات الموثقة لظهور هذا الفن في السعودية”.


ممتدحًا الكتاب قائلًا “إن كتاب “ذكرى التسعين” جاء ليعيد الاعتبار، ويضيء الظلال التي حجبت جهد الرواد، فكان بمثابة شهادة للتاريخ، وإنصافًا لفرسان التشكيل السعودي، أولئك الذين حملوا الريشة حين لم تكن هناك قاعات عرض، ولا نقد فني، ولا دعم مؤسسي، بل كانوا وحدهم يزرعون البدايات في أرض لم تُمهَّد بعد”.

يقع الكتاب في 787 صفحة، ويتضمن مفارقات متعددة لا يسع المجال لسردها هنا، مقارنةً بفكرة موسوعة Marquis Who’s Who الأمريكية، التي تعتمد في جمع بياناتها على استبيانات يملؤها الأفراد بأنفسهم. وتُعد هذه الموسوعة مرجعًا معتمدًا للتعريف بالشخصيات المؤثرة في المجتمعين الأمريكي والعالمي، وتُستخدم على نطاق واسع في المكتبات، والجامعات، والمؤسسات الأكاديمية، والشركات.

جاءت الصفحات الأولى من كتاب فلمبان مدخلًا أساسيًا في تاريخ الفن التشكيلي السعودي، مع التركيز على الحراك الفني في المملكة العربية السعودية، من خلال استعراض قنواته المتعددة، وأبرز المعارض، والمراسم، والملتقيات، والمساهمات الفنية، إلى جانب صالات العرض، والأساليب الفنية، ومسارات تطور الفن التشكيلي السعودي. تلا ذلك قسم مخصص لـ “فرسان الفن التشكيلي“، وهم الفنانون والفنانات الذين تعاونوا مع فلمبان في توثيق وتدوين سيرهم الذاتية. وقد اختتم الكتاب بقائمة تضم نحو ثمانية عشر ألف فنان وفنانة من السعودية ممن مارسوا الفن التشكيلي بالمملكة، وذلك احتفاءً بمرور تسعين عامًا على بدء الحركة التشكيلية السعودية. 

يُقرأ الكتاب مسحًا سريعًا إذا كنت تبحث عن قاعدة بيانات شاملة مكتوبة ويمكن أن تؤرشف رقمياً، وتستكمل من البقية المتبقية من من لم يحالفه الحظ في التدوين في قائمة فرسان التشكيل السعودي، ويُقرأ كوثيقة رصينة تختصر كتابة تاريخ الفن التشكيلي السعودي منذ بداياته، كما يحتوي على ملخصات للسير الذاتية لفنانين وفنانات المملكة كتبت بأقلامهم، ويُتصفح كألبوم صور للوحات الفن التشكيلي السعودي. إنه كتاب يرضي جميع الأذواق الأدبية والفنية.

وما يجدر الإشارة إليه، أن قاعدة البيانات الواردة في الكتاب تُعد آلية واعدة لتوثيق الفنانين والفنانات، حيث يمكن الاستفادة من الرقم التسلسلي المخصص لكل فنان كمدخل لتوثيق أعمالهم، في حال تم اعتماد هذه الآلية من الجهات الثقافية والفنية المختصة. إذ يُمكن النظر إلى هذا الرقم بوصفه عنصرًا تنظيميًا أساسًا في بناء نظام وطني لتوثيق النتاج التشكيلي في المملكة. كما تمثل قاعدة البيانات هذه فرصة سانحة لتصنيف مؤلفات تشكيلية مستقبلية تُسهم في تأصيل بعض الاتجاهات والأساليب الفنية، وربطها بمنظومات إنتاجها وسياقاتها الزمنية. الكتاب، في مجمله، يُعد جهدًا توثيقيًا مميزًا ومفيدًا على أكثر من مستوى، سواء من حيث رصده التاريخي، أو توثيقه الواسع للحركة التشكيلية السعودية، أو ما يفتحه من آفاق للبحث والدراسة والتصنيف الأكاديمي.


كتاب حلّق في سماء الإبداع والتأليف متحديًا الذات، والأقران، وروح العصر. تجلّت في أقسامه عناصر الأصالة والدقة، متجاوزًا الكثير من انزلاقات التأليف التاريخي. ليس هذا فحسب، بل عزز أيضًا مفاهيم مجتمعية غائبة، وقيمًا نادرة مثل التعاون، والعرض الموجز الممتع لتجارب فرسان التشكيل السعودي، والتميز في مجال التأليف التاريخي الذي يستند إلى التنافس، والإنتاجية، والرعاية الحميدة.

فلمبان فنان يرى نفسه بكل تواضع رسّامًا، لا ينساق خلف المصطلحات الرائجة التي تُضخّم من شأن الفن وأهله. مع ذلك، وفق أبسط معايير الإبداع، هو فنان مبدع يحمل هويةً واضحة، ورؤيةً صادقة، ورسالةً ذات هدف. إنه فنان يغرق في الفكرة فلسفيًا وواقعيًا ووجدانيًا على متكأ رصين من الأسلوب والتقنية لا يجرؤ أن ينازعه فيهما أحد. ويؤكد على أن يكون هذا الكتاب، إلى جانب كتبه السابقة، قد حقق الفائدة المرجوّة، ولبّى الغرض من تأليفه ونشره. قائلًا:

“لقد بذلت فيه جهدًا خالصًا، تقديرًا لحراك الفن التشكيلي السعودي الذي عاصرته لأكثر من نصف قرن. ولست مؤرخًا، ولا ناقدًا، ولا كاتبًا محترفًا، وإنما مهتمّ شغوف يحمل في جعبته ما يستحق أن يُكتب ويُوثَّق من مواضيع تخص التشكيل السعودي، تصحيحًا لبعض المفاهيم، وتوضيحًا لما التبس، وتثبيتًا لما يستحق البقاء. إن اهتمامي بسرد أسماء “فرسان التشكيل السعودي” نابع من رغبة عميقة في التعريف بهم، وتوثيق مسيرتهم، وحفظ سيرهم من التلاشي تحت وطأة زحام العصر وغياب التوثيق المؤسسي والمعايير الرسمية. فكثير من الأسماء التي وردت في هذا الكتاب، كما في كتبي السابقة، لا يعرفهم الناس اليوم، وربما لن يعرفهم أحد غدًا، وسيطويهم النسيان إن لم نحفظ ذكراهم الآن، لأن التاريخ لا يُكتب وحده، ولا يحتفظ إلا بما يُدوَّن. وهذه الكتب، على تواضعها، ما هي إلا محاولات واجتهادات شخصية، مموّلة من مالي الخاص، وبدعم كريم ورعاية مشكورة من الصديق العزيز الدكتور عبد الله دحلان، فلعلها تجد مكانها في الذاكرة، وتؤدي رسالتها في الزمن”. 

سيرة فلمبان وإنجازاته تتجاوز حدود المقال، وحواراته الهادفة تثري الفكر وتتحدى القلم. إنه قامة تشكيلية تستحق التخليد في كتاب من ضياء، ومؤلفاته مساهمة جديرة بالتقدير. بل إنها فرصة لأرباب القلم لتوثيق الحركة التشكيلية السعودية، مسلطين الضوء على حراكها، جديدها، ومميزاتها الفريدة.

عليه، ففي هذا المقال المتواضع، يوجه فنانو وفنانات المملكة الثمانية عشر ألفًا، الذين أحصاهم كتاب (ذكرى التسعين)، أسمى آيات الشكر والامتنان للفنان أحمد فلمبان، والجهة الراعية جامعة جدة للأعمال والتكنولوجيا، بقيادة القائد في توثيق الفن التشكيلي، الدكتور عبدالله بن صادق دحلان.

صور الزيارة بعدستنا…

في حضرة موشا الفون.. يستلهم الصغار روح الكبار

 

في حضرة موشا الفون.. يستلهم الصغار روح الكبار

منذ شهرين

241

4

01 أكتوبر 2025 07:21: م

بدعوة سخية من السيدة Audrey Bent لحضور معرض الفنان العالمي في الثامن عشر من مايو المنصرم، في متحف مجموعات فليبس Phillips Collection: 

Timeless Mucha: The Magic of Line

جاء المعرض المصاحب لمعرض الفنان ألفونس موشا في الدور السفلي للمتحف، حمل لوحة إعلانية بعنوان معرض الفنانين الناشئين بعنوان: “منبهرون بالحفر” (IMPRESSED: Emerging Artists in Ink) كاستجابة فنية نابضة بين الماضي والحاضر، بين إبداع فنان أيقوني وأحلام جيل ناشئ يتلمس طريقه 

بأبسط الطرق وتقنيات الحبر ودقة الخطوط وتناغم الألوان. فقد شكّل هذا المعرض امتدادًا حيًّا لتجربة متحف فيليبس مع المعرض الأكبر سحر الخط: ألفونس موشا (Timeless Mucha: The Magic of Line)، 

حيث لم يُكتف بعرض أعمال الفنان التشيكي العظيم، بل دُعيت المدارس من جميع المراحل للمشاركة في حوار بصري خلاق مع إرثه الفني.

لقد استلهم طلاب المدارس أسلوب موشا الزخرفي المميّز، ذلك الأسلوب الذي أسّس لجماليات ملصقات الفن الحديث، وصاغ لغة بصرية أثّرت في تصميم أغلفة الكتب والألبومات والإعلانات في مطلع القرن العشرين وما بعده. لكن المدهش في هذه التجربة، أنها لم تُقدّم موشا كرمز تاريخي جامد، بل كروح حية قادرة على أن تلهم الأطفال واليافعين، وتوقظ فيهم حس البحث والتأويل والتجريب.

في هذا المعرض، لم يكن الإلهام مجرّد محاكاة سطحية، بل عملية تفاعل خلاقة بين الأجيال: أطفال ينظرون إلى فن موشا، لا بوصفه مرجعًا متحفّيًا، بل كبوابة لاكتشاف أنفسهم من خلاله. وهنا تمامًا، تبدأ الحكاية.

جاء التوثيق للمعرض بصورة مرتبة ومظهرة التجربة بكل جدية وتقدير لذلك الفنان، فمن زواياه:

احتفاءً بالإبداع الناشئ “منبهرون بالحفر” في متحف فيليبس: 

بدعم سخي من عشر مؤسسات مانحة وسبع عائلات ملتزمة بتعزيز التعليم الفني، يواصل متحف فيليبس جهوده الرائدة في تمكين الأجيال الشابة من التعبير الفني والاكتشاف الإبداعي. خلال السنة المالية 2025 (من 1 أغسطس 2024 حتى 31 يوليو 2025)، أسهم هذا الدعم في توسيع شراكات المتحف التعليمية ضمن برنامج روابط الفن (Art Links)، ما أتاح فرصًا ملهمة للطلاب لاستكشاف فن الحفر والطباعة من خلال المعرض. 

يستعرض هذا المعرض كيف استلهم طلاب من أربع مدارس أعمال ألفونس موشا، المعروف بخطوطه المتدفقة وأنماطه الزخرفية الدقيقة. من خلال سبع تقنيات متنوعة في الطباعة والحفر، شكّل الطلاب أعمالًا تعكس قدرتهم على السرد البصري والتجريب الفني، من المونوبرنت (Monoprint) إلى اللينو(Lino) ومن السيانوتيب (cyanotype) إلى الطباعة الرقمية.

ثلاث مراحل عمرية.. رؤية فنية واحدة: 

جاءت مشاركة إحدى المدارس لتجسد نموذجًا فريدًا للتكامل بين المراحل الدراسية المختلفة، فكان أن أبدع تلاميذ الروضة في تنفيذ طبعات أحادية باستخدام ألوان تمبرا نابضة بالحياة كالبرتقالي والبنفسجي، مستلهمين من لوحة ألوان موشا الزخرفية. أما الصف الرابع، نفذ الطلاب طبعات سيانوتيب، باستخدام عناصر نباتية مقطوعة من الكرتون والمواد الشفافة، لالتقاط تفاعل الضوء والظل في مشهد فوتوغرافي شاعري. في حين  أضاف طلاب الصف الثامن طباعات لينوغرافية، حافرين تصاميمهم في كتل مطاطية بمهارة لافتة، تجسّد التوازن بين المساحات السلبية والإيجابية كما الحال في زخارف موشا المعقدة.

لقد جمعت هذه التجربة بين التلقائية والتقنية، بين التعبير الطفولي والوعي البصري المتنامي. ومع إشراف دقيق من مرشدي متحف فيليبس، تحولت هذه الأنشطة إلى مشروع فني متكامل، يحاكي أعمال المحترفين من حيث الجرأة والتنوع والأسلوب الشخصي.

الحفر كوسيلة حوار بين الأجيال: 

ولم تقتصر الإبداعات على الطباعة التقليدية.. فقد جرّب طلاب الصف الرابع أيضًا تقنية الطباعة بالشاشة (Screen Printing) خلال ثلاث زيارات للمتحف، صمّموا خلالها قوالبهم الخاصة، واختاروا ألوان الحبر، وابتكروا طبقات متداخلة من الأشكال والخطوط المستوحاة من طبيعة موشا العضوية.

وفي تجربة أخرى، أنشأ الطلاب أنماطًا متكررة من خلال الطباعة بالرغوة والخشب، ما منح الأعمال إيقاعًا بصريًا نابضًا، يعكس في الوقت ذاته العفوية والتأمل.

هذا التفاعل مع الأعمال الفنية الأصلية، وإعادة تأويلها من منظور الطلاب، حوّل المعرض إلى مختبر تعبيري يستكشف فيه الأطفال جوهر الزخرفة كوسيلة للتفكير، لا مجرد زينة.

تأملات في تجربة ملهمة: 

في نهاية التجوال بين هذه الأعمال، لا يمكن للزائر إلا أن يتوقف لحظة أمام سؤال بسيط وذكي طرحه المعرض: 

“ما الذي شعرت به عندما رأيت هذه الأعمال؟”.. 

وإجابتي تبدأ من الذهول أمام ما أنجزه هؤلاء الفنانون الصغار، لكن لا تنتهي عنده. فقد أدهشني بالدرجة الأولى الجدّية العميقة التي أحاطت بهذا المشروع منذ بدايته، من الفكرة إلى التنفيذ.

لقد بدت كل طبعة، وكل خط محفور، وكل لمسة لون، كأنها تقول: هناك من وثق بهؤلاء الطلاب، وفتح لهم أبواب التعبير، وأحاطهم بالثقة، والتقنيات، والوقت، والاهتمام.

هنا يكمن ما أبهرني أكثر من كل شيء: الدعم السخي لإقامة هذه المبادرة، والدلالات التربوية والثقافية العميقة التي تتخفى خلف هذا العطاء بكل تواضع ونظامية دون فوقية أو عشوائية.

أتوقع أن الرعاية التي حملت هذا المعرض إلى الوجود يمكن حصرها في جوانب عدّة، من بينها: رؤية تربوية تؤمن بأن الفن جزء أصيل من تكوين الطالب لا ترف يُضاف إلى الهامش.. ثانيًا: التزام مجتمعي يعد فيه المتحف شريكًا للمدرسة، لا مكانًا للعرض فقط.. ثالثًا: استثمار حقيقي في قدرات الأطفال واليافعين،  يُعاملهم كفنانين.. وأخيرًا تصميم منهج تعليمي يُدرّب على التقنية دون أن يطمس التعبير الشخصي.. في كل ورقة مطبوعة، في كل لون متداخل، كان هناك صدى لأصوات هؤلاء الطلاب، لكن أيضًا همسٌ خافت يدل على كل يد خفية آمنت بهم. وهذا، في نظري، هو المعنى الحقيقي لمتحف يحتضن المستقبل.

ختامًا: مع مرور الوقت يصبح الفن ليس مجرد كلمة معناها فنان ولوحة، وعرض ومعرض،  بل أكثر من ذلك وأعمق. 

من أعمال الطلبة المشاركين..

روابط مقالاتي لأبرز مقالاتي لعام 2025

ما الأيامُ والشهورُ والأعوامُ إلا بعضٌ من أعمارِنا، وما نحنُ جميعًا إلا خَلْقٌ من خَلْقِ الله. ولذلك قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز...