الأحد، 14 ديسمبر 2025

في حضرة موشا الفون.. يستلهم الصغار روح الكبار

 

في حضرة موشا الفون.. يستلهم الصغار روح الكبار

منذ شهرين

241

4

01 أكتوبر 2025 07:21: م

بدعوة سخية من السيدة Audrey Bent لحضور معرض الفنان العالمي في الثامن عشر من مايو المنصرم، في متحف مجموعات فليبس Phillips Collection: 

Timeless Mucha: The Magic of Line

جاء المعرض المصاحب لمعرض الفنان ألفونس موشا في الدور السفلي للمتحف، حمل لوحة إعلانية بعنوان معرض الفنانين الناشئين بعنوان: “منبهرون بالحفر” (IMPRESSED: Emerging Artists in Ink) كاستجابة فنية نابضة بين الماضي والحاضر، بين إبداع فنان أيقوني وأحلام جيل ناشئ يتلمس طريقه 

بأبسط الطرق وتقنيات الحبر ودقة الخطوط وتناغم الألوان. فقد شكّل هذا المعرض امتدادًا حيًّا لتجربة متحف فيليبس مع المعرض الأكبر سحر الخط: ألفونس موشا (Timeless Mucha: The Magic of Line)، 

حيث لم يُكتف بعرض أعمال الفنان التشيكي العظيم، بل دُعيت المدارس من جميع المراحل للمشاركة في حوار بصري خلاق مع إرثه الفني.

لقد استلهم طلاب المدارس أسلوب موشا الزخرفي المميّز، ذلك الأسلوب الذي أسّس لجماليات ملصقات الفن الحديث، وصاغ لغة بصرية أثّرت في تصميم أغلفة الكتب والألبومات والإعلانات في مطلع القرن العشرين وما بعده. لكن المدهش في هذه التجربة، أنها لم تُقدّم موشا كرمز تاريخي جامد، بل كروح حية قادرة على أن تلهم الأطفال واليافعين، وتوقظ فيهم حس البحث والتأويل والتجريب.

في هذا المعرض، لم يكن الإلهام مجرّد محاكاة سطحية، بل عملية تفاعل خلاقة بين الأجيال: أطفال ينظرون إلى فن موشا، لا بوصفه مرجعًا متحفّيًا، بل كبوابة لاكتشاف أنفسهم من خلاله. وهنا تمامًا، تبدأ الحكاية.

جاء التوثيق للمعرض بصورة مرتبة ومظهرة التجربة بكل جدية وتقدير لذلك الفنان، فمن زواياه:

احتفاءً بالإبداع الناشئ “منبهرون بالحفر” في متحف فيليبس: 

بدعم سخي من عشر مؤسسات مانحة وسبع عائلات ملتزمة بتعزيز التعليم الفني، يواصل متحف فيليبس جهوده الرائدة في تمكين الأجيال الشابة من التعبير الفني والاكتشاف الإبداعي. خلال السنة المالية 2025 (من 1 أغسطس 2024 حتى 31 يوليو 2025)، أسهم هذا الدعم في توسيع شراكات المتحف التعليمية ضمن برنامج روابط الفن (Art Links)، ما أتاح فرصًا ملهمة للطلاب لاستكشاف فن الحفر والطباعة من خلال المعرض. 

يستعرض هذا المعرض كيف استلهم طلاب من أربع مدارس أعمال ألفونس موشا، المعروف بخطوطه المتدفقة وأنماطه الزخرفية الدقيقة. من خلال سبع تقنيات متنوعة في الطباعة والحفر، شكّل الطلاب أعمالًا تعكس قدرتهم على السرد البصري والتجريب الفني، من المونوبرنت (Monoprint) إلى اللينو(Lino) ومن السيانوتيب (cyanotype) إلى الطباعة الرقمية.

ثلاث مراحل عمرية.. رؤية فنية واحدة: 

جاءت مشاركة إحدى المدارس لتجسد نموذجًا فريدًا للتكامل بين المراحل الدراسية المختلفة، فكان أن أبدع تلاميذ الروضة في تنفيذ طبعات أحادية باستخدام ألوان تمبرا نابضة بالحياة كالبرتقالي والبنفسجي، مستلهمين من لوحة ألوان موشا الزخرفية. أما الصف الرابع، نفذ الطلاب طبعات سيانوتيب، باستخدام عناصر نباتية مقطوعة من الكرتون والمواد الشفافة، لالتقاط تفاعل الضوء والظل في مشهد فوتوغرافي شاعري. في حين  أضاف طلاب الصف الثامن طباعات لينوغرافية، حافرين تصاميمهم في كتل مطاطية بمهارة لافتة، تجسّد التوازن بين المساحات السلبية والإيجابية كما الحال في زخارف موشا المعقدة.

لقد جمعت هذه التجربة بين التلقائية والتقنية، بين التعبير الطفولي والوعي البصري المتنامي. ومع إشراف دقيق من مرشدي متحف فيليبس، تحولت هذه الأنشطة إلى مشروع فني متكامل، يحاكي أعمال المحترفين من حيث الجرأة والتنوع والأسلوب الشخصي.

الحفر كوسيلة حوار بين الأجيال: 

ولم تقتصر الإبداعات على الطباعة التقليدية.. فقد جرّب طلاب الصف الرابع أيضًا تقنية الطباعة بالشاشة (Screen Printing) خلال ثلاث زيارات للمتحف، صمّموا خلالها قوالبهم الخاصة، واختاروا ألوان الحبر، وابتكروا طبقات متداخلة من الأشكال والخطوط المستوحاة من طبيعة موشا العضوية.

وفي تجربة أخرى، أنشأ الطلاب أنماطًا متكررة من خلال الطباعة بالرغوة والخشب، ما منح الأعمال إيقاعًا بصريًا نابضًا، يعكس في الوقت ذاته العفوية والتأمل.

هذا التفاعل مع الأعمال الفنية الأصلية، وإعادة تأويلها من منظور الطلاب، حوّل المعرض إلى مختبر تعبيري يستكشف فيه الأطفال جوهر الزخرفة كوسيلة للتفكير، لا مجرد زينة.

تأملات في تجربة ملهمة: 

في نهاية التجوال بين هذه الأعمال، لا يمكن للزائر إلا أن يتوقف لحظة أمام سؤال بسيط وذكي طرحه المعرض: 

“ما الذي شعرت به عندما رأيت هذه الأعمال؟”.. 

وإجابتي تبدأ من الذهول أمام ما أنجزه هؤلاء الفنانون الصغار، لكن لا تنتهي عنده. فقد أدهشني بالدرجة الأولى الجدّية العميقة التي أحاطت بهذا المشروع منذ بدايته، من الفكرة إلى التنفيذ.

لقد بدت كل طبعة، وكل خط محفور، وكل لمسة لون، كأنها تقول: هناك من وثق بهؤلاء الطلاب، وفتح لهم أبواب التعبير، وأحاطهم بالثقة، والتقنيات، والوقت، والاهتمام.

هنا يكمن ما أبهرني أكثر من كل شيء: الدعم السخي لإقامة هذه المبادرة، والدلالات التربوية والثقافية العميقة التي تتخفى خلف هذا العطاء بكل تواضع ونظامية دون فوقية أو عشوائية.

أتوقع أن الرعاية التي حملت هذا المعرض إلى الوجود يمكن حصرها في جوانب عدّة، من بينها: رؤية تربوية تؤمن بأن الفن جزء أصيل من تكوين الطالب لا ترف يُضاف إلى الهامش.. ثانيًا: التزام مجتمعي يعد فيه المتحف شريكًا للمدرسة، لا مكانًا للعرض فقط.. ثالثًا: استثمار حقيقي في قدرات الأطفال واليافعين،  يُعاملهم كفنانين.. وأخيرًا تصميم منهج تعليمي يُدرّب على التقنية دون أن يطمس التعبير الشخصي.. في كل ورقة مطبوعة، في كل لون متداخل، كان هناك صدى لأصوات هؤلاء الطلاب، لكن أيضًا همسٌ خافت يدل على كل يد خفية آمنت بهم. وهذا، في نظري، هو المعنى الحقيقي لمتحف يحتضن المستقبل.

ختامًا: مع مرور الوقت يصبح الفن ليس مجرد كلمة معناها فنان ولوحة، وعرض ومعرض،  بل أكثر من ذلك وأعمق. 

من أعمال الطلبة المشاركين..

هناك تعليقان (2):

  1. المقالة قدّمت توثيقاً دقيقاً لتجربة “منبهرون بالحفر” بمتحف فيليبس، وأبرزت دور الفن كجسر بين الماضي والحاضر. ما يميزها هو التركيز على البعد التربوي والإبداعي، حيث لم تُقدَّم أعمال موشا كأيقونة جامدة، بل كروح حية تُلهم الناشئة للتجريب والحوار البصري. التجربة تشكّل نموذجاً رائداً للتكامل بين المدرسة والمتحف، وتُجسد بوضوح معنى التربية الفنية بوصفها ممارسة حياتية، لا مجرد نشاط إضافي

    ردحذف
  2. مقال ملهم جدا أعجبني كيف ركز على دور الفن كجسر بين الأجيال وكيف قدر كل طالب يعبر عن نفسه بطريقته الخاصة

    ردحذف

روابط مقالاتي لأبرز مقالاتي لعام 2025

ما الأيامُ والشهورُ والأعوامُ إلا بعضٌ من أعمارِنا، وما نحنُ جميعًا إلا خَلْقٌ من خَلْقِ الله. ولذلك قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز...