الأحد، 14 ديسمبر 2025

عام الحرفة 2025.. تجربة الذات المبدعة مع الاحتراف

 

عام الحرفة 2025.. تجربة الذات المبدعة مع الاحتراف

منذ شهر واحد

224

0
01 نوفمبر 2025 04:30: م

 عام الحرفة 2025: تجربة الذات المبدعة مع التراث والابتكار والاحتراف، ولكم أن تضيفوا تبعًا لتجاربكم المبدعة مستقبلين إياها بكل ترحاب وبهجة.

عام 2025 للحرف جاء عامًا معلنا من وزارة الثقافة، بالنسبة لي أكثر من مجرد احتفاء بالحرفة والصناعة، وأهم من كونه تجربة حيّة نابضة بالفعاليات، تجلّت فيه روح استعادية للمهن التقليدية ومكانتها في دفع عجلة الاقتصاد والثراء في ماضي الأجداد وحاضر الأجيال، قصص تحكي تحول تلك الحرف إلى جزء أصيل من الاقتصاد الإبداعي، بل أكثر ما شدني هو التفاعل المتبادل بين صناعة الترفيه وعام الحرفة، وإذكاء روح التنافسية الوطنية، والجذب العالمي للرياضة والأزياء. ومما ألهب الشغف وأضاء المسير تفاعل المبدعين والحرفيين والماهرين في هذا السياق المفضي لظهور مخرجات متنوعة لصناعات متعددة، أعتقد أهميتها كمورد ثقافي واقتصادي موازي للقطاعات الكبرى التي جعلت من نفسها رمزًا في ريادة الأعمال وتسيير دفة الآمال، لما تحمله من قدرة على صناعة فرص جديدة خلاّقة ذات تحديات متوازية لإبراز الهوية السعودية في فضاء عالمي.

يجد المبدع والماهر والحرفي والفنان وكل أولئك الذين يمتلكون اللياقات الثلاث للرفاه والسعادة أمام وابل من التساؤلات، وكيل من الإلهامات، وفيض من التجارب التي يمكن أن تكون بالفعل محطات تحويلية ترتكز على رؤى داخلية تُعيد تشكيل ذاتها ومحيطها في صورة إبداعات ومنتجات أصيلة.

 لن نمرح كثيرًا على موجة الوصول الفكري، بل سنمتطي مزلاج العبور السهل عبر موجات التاريخ، علينا جميعًا التمهّل، والتأمل، والسير بخطى من يعرف أن التحوّل الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا بل فهمًا عميقًا، ولا يحتاج سعيًا مضنيًا بل فكرًا مستنيرًا، ولا يستند على ثرثرة هامشية بل أهداف مرسومة، يمكن أن يُنجحه أفراد أو زرافات أدركت أسمى معاني التشاركية الخلاّقة، وقدّرت قيم الإبداع، وفهمت أدوار الريادة لا السيادة، فالكل في بحر الإبداع مبدع، وهنا أتمهل وأقول:

الفنان يمكن أن يكون حرفيًا إذا أتقن تحويل فنه إلى منتج إبداعي، في حين أن الحرفي هو من يصنع الشيء كما هو… وخير مثال فنانو النهضة الفرنسية، عندما قررت دول السيادة استعادة وإحياء التراث الغربي متجسدًا في الإرث الروماني واليوناني.

عندما تحدث سقراط عن الفنان والنجار في محاورات فلسفية دوّنها أفلاطون، إذ إن سقراط، لم يكتب كتبًا.. بل كان يحاور أفلاطون حامل العلم والثقة في التسجيل، يرى سقراط أن المعرفة لا تلقن أو تكتب.. بل هي وليدة تساؤل تولّد من الدهشة أو نبع من تأمل ذاتي أنتج سؤالًا أو زمرة من الأسئلة، تساؤل نبع من فكر عقل مستنير، تولدت عنه معرفة جديدة، وهذا ما يعرف بالمنهج السقراطي الذي امتد للحضارات الإنسانية فيما بعد عبر تدوين تلك الحوارات من قبل أفلاطون…

لم أدرك يومًا أن تلك الحوارات ستكون فرصة أخرى للتعمّق في إبعادها عبر مقالي هذا، وأن فكرة الفنان والصانع هي الخلفية العلمية لهذا المقال، وأن كلمات أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة الطائف، الأستاذ عبدالرحمن مرغلاني، ذكره الله بكل خير، وهو يتحدث عن هذه الفكرة بعمق وتأمل جميل، لطالبات درجة البكالوريوس كأنهم طلبة دكتوراه، ما أرهقنا تلك الأيام، وجعلنا نسجل محاضراته دون علمه بغية إدراك فكره  الذي هو خلاصة كتب كثيرة قرأها واسترسل في معانيها، لم أدرك في ذلك اليوم أن فكرة الفنان والصانع ستطفو من جديد على سطح هذا المقال. 

حوار الفنان والصانع 

يميز سقراط بوضوح بين الصانع والفنان، لاسيّما في حواراته مع أفلاطون، التالية:

في حوار «الجمهورية» (The Republic) يعرض أفلاطون، على لسان سقراط، مفهوم المحاكاة (mimesis)، موضحًا أن الفنان إنما يحاكي الصانع في صنعته؛ إذ يقلّد ما يصنعه النجار مثالًا من مظاهر الواقع، ويحاكي في الوقت ذاته الفكرة الأصلية أو المثال الذي يقوم عليه ذلك الواقع، وبناءً على ذلك، يرى أفلاطون أن الفنان يقلّد مَن يحاكي الحقيقة، فيبتعد عنها درجتين،  وهاتان الدرجتان ليستا بعدًا عن الحقيقة بقدر ما هما فضاءٌ للإبداع؛ ففي ذلك الفراغ بين الفكرة وصورتها يمكن لنا أن نقول كهذا وُلد دافنشي بعقله المهندس، وميكيلانجلو بيده النحّاتة، في هذه المقاربة تتجلّى عملية الإبداع في مستوياتٍ يغفل عنها كثيرون؛ في رمزية المثال والفكرة، وفي عملية المحاكاة الأولى ثم محاكاة المحاكاة، لِنقِف ونتساءل من جديد: ما الإبداع إذن، وأين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي الصورة؟

في حوار «المأدبة» (Symposium) يتحدث أفلاطون عن الروح الخلّاقة في الإنسان؛ فالفنان، في نظره، كائنٌ ملهم تدفعه قوة الحب (الإيروس) والجمال لفنه، إذ هو مخلوق روحاني تحرّكه مشاعره، وتنبع من عاطفته تلك القدرة على ابتكار الجمال، في حين أن الصانع يعمل بدافع امتلاك المهارة والالتزام بالقواعد، فهو حرفيٌّ ماهر، لا مُلهمٌ محب. 

في حوار «إيون» (Ion) يناقش سقراط شاعرية إيون وطبيعة الإلهام الفني، موضحًا أن الفنان يختلف عن الصانع؛ فالصانع يعلم ويمارس ويترقّى في سلّم المهارة، أما الفنان فإلهامه ليس ثمرة معرفة مكتسبة، بل نفحةٌ تأتيه من العلوّ، يصنع بها مثاله بالإلهام والخيال.

في حوار «القوانين» (Laws)، الذي يتمحور حول علاقة الفن بالمجتمع والتربية، يرى أفلاطون أن الفن ينبغي أن يكون منضبطًا بالقانون والأخلاق، لما له من أثرٍ عميق في تشكيل النفوس. ومن هذا المنطلق، يعيد أفلاطون وصف كلٍّ من الصانع أو الحرفي، والفنان الممارس لمختلف الفنون، بوصفهما مؤثرين في النظام العام، لا مجرّد مبدعين أو أصحاب مهارة، مركزاً على القيّم والأخلاق والقوانين.

ضمن هذه الحوارات والمنهج السقراطي والطرح الأفلاطوني هل لنا أن نتسأل: كيف يتعامل فنان اليوم مع عملية الإلهام والاستلهام؟ والأثر والتأثير؟ وهل حق على المتلقي أن يدرك هذه العمليات التي في الغالب يُسكت عنها؟ وهل في قوانين وأنظمة الحماية الفكرية ما يرشدها ويعززها؟

تتجلّى فكرة أن الفنان الحقيقي هو من يصنع فنًّا من عوالم المثال والجمال والروح، فتتحرّك النفس وينشّط الذهن، وتسمو الروح، مرتقيًا في فنه عن الصناعة التي تتعامل مع المادة وتجلب المنفعة، متحررًا من سطوة الاتجاه وقضبان المدرسة.
فإذا سلّمنا بهذا الحوار الفلسفي الملهم، فإن الفنان في تعريف إجرائي أجده مناسبًا هنا: 

“هو من يمتلك تجربة إنسانية خلاّقة جعلت منه فنانًا مبدعًا لا صانعًا مفرطًا في الواقع، ويعكس تلك التجربة التي خاطبت روحه أولًا ثم عقله فصنعها بمقاييس الجمال الخاصة بتلك التجربة، هنا يكمن التمايز والإبداع والتجديد” أ.هـ. 

أفلاطون في حواراته مع سقراط يعزو الإبداع إلى الإلهام الإلهي لا إلى المعرفة العقلية، ويرى في التشفير أو الترميز سمةً مضافة إلى تلك الهبة الإلهية.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بطريقة أخرى: 

هل هذه الخلاصة التي نسلّم بها في عصرنا الحالي؟ وهل تنطبق على جميع الفنون؟ وهل يمكن قبولها في عصر العولمة والرقمنة والحداثة السائلة؟ وفي سياق أكثر حداثة، تتجلّى تجارب ذاتية عبر الولوج في أطراف عوالمها، تلك التجارب الملهمة التي سطّرت أسماء مبدعين ومبدعات، نماذج غادرت جلابيبها القديمة لتولد من جديد في فضاء الإبداع الحرّ.

سأقدّم هذا الخريف نماذج إبداعية وتجارب رصينة راقت لي في 2025، فكان لا بد من تقديمٍ يليق بتلك التجارب، فلا يمكننا مغادرة عامنا دون الإبحار في عوالم الحرفة والفن والجمال.. وفي هذا المقال، إبحاري مع الفنون الأدائية التي غدت اليوم في نظري تتعدّى منتجاتها التقليدية من العروض المسرحية والرقص والعروض الفلكلورية، لتضمّ الفنون الرقمية التي أصبحت أكثر متعة وبهجة، وأعلى توظيفًا للجمال، إذ تجمع بين الكلمة والصورة والحركة لصناعة تجارب حسّية غنية ومعبرة.

عندما قررت متابعة سناب المستشار تركي آل الشيخ خلال الفترة من 5 إلى 25 أكتوبر، صانعًا بمحتواه تجربةً ترفيهية مبهرةً وممتعة، عكست فن مشاركة اللحظة من الأصدقاء، وأداءً يجسّد الثقافة والهوية السعوديتين بعمقٍ وجمال.. مع ما مزجه من رسمية وعفوية ومصداقية عالية المعنى، لقد ارتقى استخدام آل الشيخ لتطبيق سناب شات في نظري إلى مستوى أداء مبدع، إذ أضفى على التطبيق قيمةً إبداعية، وحضورًا طاغيًا، وبيانًا موجزًا، وألفةً وبهجةً فريدة لا أجده في تطبيق سناب شات إطلاقًا.

من وجهة نظري، يمكن اعتبار تطبيق سناب شات من التطبيقات التي تعكس أداء رقمي إذا تم توظيفه توظيفًا إبداعيًا لإنشاء قصص مرئية قصيرة وتفاعلية، مع توظيف الفلاتر والتأثيرات لإضفاء طابعٍ فني وشخصي على المحتوى، إضافةً إلى التفاعل اللحظي بين المتابع وصانع المحتوى، وما يصاحبه من رصانةٍ في التعبير عن الذات والآخر والحدث، واحترافية فن اللقطة والحركة والتصوير الفوتوغرافي. 

وجاء المؤتمر الصحفي الخاص بموسم الرياض 2025 لقطةً سنابية تاريخية، بدأت بأداءٍ جسّد الهوية السعودية من خلال سرعة الدخول، وخفة المشية والحركة، وأصالة الزي وتواضعه؛ لتعكس صورة الرجل السعودي الأصيل أداءً وسلوكًا وتحيةً وترحيبًا. وبعد الأداء الحركي المفعم بالقبول والأناقة، جاء الأداء اللفظي الممزوج بالعبارات الرسمية والوقائع التاريخية، والإحصائيات الدقيقة، وجمل من اللهجة السعودية لا يزال يتردد صداها في أذني (حنا حريصين على زبائننا، وأشكر الصحفيين والإعلاميين)، عند سرد الفعاليات بطريقةٍ سريعةٍ ومختصرةٍ وواضحة، أظهرت اهتمامًا ملحوظًا برياضتي التنس والملاكمة، مع مراعاة المواقيت الدينية بعنايةٍ واحترام، وكما ساهم ديكور القاعة والألوان المنتقاة في تعزيز هيبة المكان وجماله وفخامته، ما جعل المشهد متكاملًا بين الفن والحضور والجوهر، لقد كان أداءً سنابيًا راقيًا بحق، عكس فنًّا أدائيًّا عالميًّا لما احتواه من محتوى غني بالفعاليات المتنوعة، والإعلانات الإبداعية لموسم الرياض. 

ومن أبرز الفنون الأدائية التي وددت لو أنني كنتُ في مسيرتها، ما شهدته الرياض في العاشر من أكتوبر عام 2025، من انطلاق أول مسيرةٍ استعراضيةٍ في تاريخ المملكة العربية السعودية، وذلك قبيل افتتاح موسم الرياض، كما ظهر في بثّ سناب آل الشيخ، ثم في تغطية قناة الإخبارية التي روت تفاصيل الحدث.. كانت أجواءً احتفاليةً مبهرة، جمعت بين الإبداع المحلي والعروض العالمية، لتعلن انطلاق النسخة الجديدة من أكبر مواسم الترفيه في المنطقة العربية، مع إغلاق الشوارع من منطقة المملكة آرينا إلى منطقة البوليفارد، إذنًا بمرور العروض والعربات في مشهدٍ احتفاليٍ غير مسبوقٍ يفيض بالحياة والإبداع، وبمشاركة فرقٍ استعراضيةٍ دوليةٍ ومحليةٍ قدّمت عروضًا فنيةً حيّة من قبل 3000 راقص وراقصة، إلى جانب مجسّماتٍ ضخمةٍ وبالوناتٍ عملاقةٍ جُلبت خصيصًا من نيويورك ضمن تعاونٍ مع شركة Macy’s الأمريكية، تلك المسيرة التي تنفذ أول مرة خارج الولايات المتحدة في رمزية لعمق العلاقة بين البلدين في صناعة الترفيه والمرح، وقد تضافرت المؤثرات البصرية واللونية والموسيقية في اللقطات السنابية؛ لتجعل منطقة المسيرة استعراضًا ممسرحًا مفتوحًا يعكس طاقة الفرح والبهجة، مجسّدًا شعار الموسم في جعل الترفيه لغةً عالميةً تُوحِّد الحضور في تجربةٍ أدائية مدهشةٍ تمزج الفن بالاحتفال، بمتابعة سناب آل الشيخ نحن في الرياض مع تجارب ومغامرات ومقابلات وفعاليات موسم الرياض للترفيه ومواكبة موجات الازدهار العالمي “بلوشي بروقان،” إنها أكثر مساحة وجماهيرية وتعددية من أي كرنفال عالمي. 

تغطية الإخبارية للمسيرة التاريخية: https://www.youtube.com/watch?v=B_EXX5yNGHY

بعدستي من سناب تركي آل الشيخ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

روابط مقالاتي لأبرز مقالاتي لعام 2025

ما الأيامُ والشهورُ والأعوامُ إلا بعضٌ من أعمارِنا، وما نحنُ جميعًا إلا خَلْقٌ من خَلْقِ الله. ولذلك قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز...