الأحد، 14 ديسمبر 2025

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

 

عندما يصنع الفن ذكرى وطنية

منذ 5 أشهر

538

1

رابط المقال بقلمي

01 أغسطس 2025 07:54: م

في مساء هادئ، برفقة أولادي الذين دومًا يشاركونني فضول الاكتشاف، تارة بشغف البحث عن الجديد، وتارة نزولًا لطلبي، وأخرى رغبة في الصحبة، رتّب القدر الجميل زيارةً إلى مرسم اختزن بين جدرانه حكايات الفن، وأسرار الحفاوة والتكريم، وبين ردهاته قصصًا لأجيالٍ لم تُحكَ بعد، ومعارض فنية لم تستعاد.


كانت الزيارة دون برنامج محدد، لكن سرعان ما مضى الوقت ممتعًا مرتبًا، حتى أصبحت زيارة بثلاث فقرات ممتعة مذهلة. استقبلنا الفنان ببشاشة وترحاب، دلفنا جميعًا إلى مجلسه الرئيس القرمزي المتواضع، الذي زُيّنت جدرانه بأعماله الطباعية، أضاء المكان بخصلات شعره الأبيض، مسترشدًا بعصاته التي أضفت عليه هيبة على هيبة. بدأ الفنان حديثه الدافئ عن نفسه مسترجعًا ذكريات ترشيحه لدراسة الفن في روما، بإشارة مهذبة وابتسامةٍ دافئة معتذرًا:
“اعذريني، فأنا لا أسمعك… فقدت السمع بسبب عملية القلب المفتوح”.


جاءت العبارة كافية لتفتح لي أبوابًا من التأمل لرجلٍ ملأت لوحاته تجسيدًا لونيًا لمآسي الفقر والبؤس، وغوصًا ماهرًا في عوالم المهمشين واللا منتمين، وتصويرًا بديعًا للمشاعر والأحاسيس الإنسانية. حديثه وصوته، تركا في ذهني ذكرى لا تُمحى، ومما زاد من دهشة قصته كيف أن القدر اختاره للفن التشكيلي، رغم أنه كان في بداياته مشروعًا موسيقيًا يعزف على الكمان والتشيللو، وكان يرافق رواد الطرب مثل محمد عبده، وطلال مداح، وطارق عبد الحكيم… كانت قصة ابتعاثه إلى روما لدراسة الفن التشكيلي، بقرار مباشر من وزارة المعارف آنذاك، تجسيدًا لإيمانها بموهبته ورؤيته الفنية، ومنحة كريمة لصقل مهاراته في قلب عاصمة الفن الأوروبي. 

إنها قصة عطاء وطني نبيل، تلتها قصة وفاء وعرفان خالص منه.


لم تمضِ دقائق حتى انساب الحديث بهدوء عن مشروعه الكبير في توثيق التشكيل السعودي، وعن كتبه السبعة المنشورة التي ألّفها بجهد ذاتي، هي: التشكيليون السعوديون، وفن في نصف قرن، وذاكرة على السطح، وإضاءة للذكرى، وماذا؟ ولماذا؟، وإبداع لا ينضب، وحكاية أجيال، إضافة إلى كتابه الموسوعي الثامن، مع ما كتبه ونشره فيما يقارب من 400 مقالة عن الفن السعودي، ولا يزال قلمه يفيض اجتهادًا ومواكبةً ورصدًا لمسيرة التشكيل السعودي منذ أكثر من نصف قرن، متحررًا في أسلوبه من نمطية السرد التاريخي والنقد الفني، مكتفيًا بما اختزنته ذاكرته، وما جمعه في جعبته من معلومات ومفاهيم عن الفن السعودي. تارةً يوثق مسيرة الفنانين والفنانات عبر الكتب، وتارةً يكتب في الصحف ناقدًا ومحذرًا من زيف الشهرة وبريق التلميع الأخرق. وله زاوية ثابتة في مجلة “فرقد الإبداعية” بعنوان “ولي رأي،” يحذر فيها من سقطات الفن الزائف ومتاهاته.

إنه كاتب تشكيلي وفنان مبدع بدأت مسيرته الفنية في المعرض الدولي لمنظمة اليونسكو في روما Apello 70 في عام 1968؛ لتتوالى مشاركته في أكثر من 813 معرضًا وفعاليات أخرى متعددة، و25 معرضًا شخصيًا محليًا وعالميًا، إضافةً لعدد من الأوسمة والجوائز الدولية مثل: جائزة منيرفا الإيطالية، والجائزة الأولى في بينالي البحر في روما. 


عصفت بي ذاكرةُ الأيام في مجلسٍ تتوسطه طاولةٌ عليها عصيرُ الرمان، لتعيدني إلى ضيافة بنجابي رحمه الله تعالى، وعصير التوت الذي قدّمه لي حين دعاني إلى مرسمه في جدة التاريخية، خلال أيام المعرض الأول لمبادرة فكر وفن ونشر، لم يكن لقاءً عابرًا بل لقاء أجيال، إنها لقاءات جمعت بين رؤى تشكيلية احترافية، وشغفٍ عميق، وبحثٍ دؤوب في جماليات اللون، بل كانت تقاطعًا حاذقًا بين رؤيتين: إحداهما غارقة في التوثيق، والتجربة التشكيلية، والإبداع الفني؛ والأخرى تنقّب عن الفن بمعيارٍ نقدي عالمي يتجاوز حدود الإعجاب والانبهار، ويتخطى الزمان والمكان.


وما هي إلا لحظات حتى أدار المضيف دفة الجلسة بحفاوة تنمّ عن ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ليحتفي بضيوفه بتقديم مجموعة من مؤلفاته، ولوحتين حديثتين تحملان توقيعه وأسلوبه التشكيلي المتفرّد، واختتم ذلك بإهداء صندوقين نسخًا من كتابه (ذكرى التسعين) إهداء لفناني وفنانات الطائف، في لفتة تجسّد امتزاج الذكرى بالإنجاز، والاحتفاء بالتجربة الثقافية التشكيلية المميزة.


في تلك اللحظة، جاء قرار دخولي إلى مرسمه الصغير مرحبًا به، ذلك المرسم  الكبير في معانيه وذاكرته وألوانه، إنه بمثابة عبور إلى عالم موازٍ، حيث تتراكم الألوان على لوحات جديدة لمعرض قادم، باستخدام عدد قليل من أنابيب الألوان الزيتية، ومجموعة من السكاكين، وعلبة من الزيت، مع مصباح إضاءة، لتدرك للوهلة الأولى أنه فنان كلاسيكي من الدرجة الأولى، له تجربة فنية باتت مع السنين تقنية خاصة به، يتقن أبعادها وطرقها، عبثًا أن تسأله أو تحاكي أسلوبه، إنها تقنية العقود وأسلوب الرواد، أما جدران المرسم الصغير الكبير أمست سديمًا درّيًا حافلًا بالشهادات، والدروع، والأوسمة، وبعضًا من اللوحات المهداة إليه، مرسم دافئ بوحه، عميق رمزه، تعجز الكلمات عن وصفه.

لم تكن زيارة عابرة، بل كانت احتفاءً منظمًا صنعه ذوقه الرفيع وكرمه السخي، ومجلسًا تربويًا أسعد أولادي، وحفر في ذاكرتهم قصة فنانٍ موسوعيّ، يحمل في ريشته ذاكرة فن للوطن، وفي ملامحه صمتٌ عميق يُجيد الكلام… ويجيد الحكاية بالألوان، ومضيفٌ طائيٌّ سخيّ.


الفقرة الثالثة من البرنامج بدأت عند عودتي إلى المنزل؛ حين جلست بمفردي أتصفح الكتب المُهداة، أقرأ في صفحاتها، مسترجعة صوته وحديثه، لأقف على نتاج فكري لشخصية حرّكها إيمانٌ عميق برسالة الفن ودوره في الذات والمجتمع، مشمرًا عن ساعديه بناء ذاكرة بصرية متفرّدة لتشكيل هذا الوطن.

أما مؤلفه الثامن: “ذكرى التسعين” فهو مشروع توثيق رصين، لا أظن أن له نظيرًا في مجاله في هذه الفترة، يؤكد الفنان أحمد فلمبان عنه قائلًا: “قد يظن البعض ممن لم يطالع كتاب “ذكرى التسعين” أنه مجرد تكرار للأسماء الواردة في كتب سابقة، أو تجميع لما جاء في “حكاية أجيال” و”إبداع لا ينضب”، لكنه في حقيقته عمل منهجي دقيق، ورؤية تصحيحية شجاعة في تاريخ الفن التشكيلي السعودي“.

 مشيرًا إلى أن “هذا الكتاب لا يكتفي بسرد الأسماء، بل يسعى إلى توضيح البيانات والمعلومات التي أسقطتها كثير من المصادر والمقالات والكتب السابقة، تلك التي تجاهلت -عمدًا أو سهوًا– نصف قرن من تاريخ هذا الفن. لقد أغفلت تلك المصادر البدايات الحقيقية، وتغافلت عن الأسماء التي شكّلت النواة الأولى للممارسة التشكيلية في المملكة، رغم أنها تمثّل أقدم الإشارات الموثقة لظهور هذا الفن في السعودية”.


ممتدحًا الكتاب قائلًا “إن كتاب “ذكرى التسعين” جاء ليعيد الاعتبار، ويضيء الظلال التي حجبت جهد الرواد، فكان بمثابة شهادة للتاريخ، وإنصافًا لفرسان التشكيل السعودي، أولئك الذين حملوا الريشة حين لم تكن هناك قاعات عرض، ولا نقد فني، ولا دعم مؤسسي، بل كانوا وحدهم يزرعون البدايات في أرض لم تُمهَّد بعد”.

يقع الكتاب في 787 صفحة، ويتضمن مفارقات متعددة لا يسع المجال لسردها هنا، مقارنةً بفكرة موسوعة Marquis Who’s Who الأمريكية، التي تعتمد في جمع بياناتها على استبيانات يملؤها الأفراد بأنفسهم. وتُعد هذه الموسوعة مرجعًا معتمدًا للتعريف بالشخصيات المؤثرة في المجتمعين الأمريكي والعالمي، وتُستخدم على نطاق واسع في المكتبات، والجامعات، والمؤسسات الأكاديمية، والشركات.

جاءت الصفحات الأولى من كتاب فلمبان مدخلًا أساسيًا في تاريخ الفن التشكيلي السعودي، مع التركيز على الحراك الفني في المملكة العربية السعودية، من خلال استعراض قنواته المتعددة، وأبرز المعارض، والمراسم، والملتقيات، والمساهمات الفنية، إلى جانب صالات العرض، والأساليب الفنية، ومسارات تطور الفن التشكيلي السعودي. تلا ذلك قسم مخصص لـ “فرسان الفن التشكيلي“، وهم الفنانون والفنانات الذين تعاونوا مع فلمبان في توثيق وتدوين سيرهم الذاتية. وقد اختتم الكتاب بقائمة تضم نحو ثمانية عشر ألف فنان وفنانة من السعودية ممن مارسوا الفن التشكيلي بالمملكة، وذلك احتفاءً بمرور تسعين عامًا على بدء الحركة التشكيلية السعودية. 

يُقرأ الكتاب مسحًا سريعًا إذا كنت تبحث عن قاعدة بيانات شاملة مكتوبة ويمكن أن تؤرشف رقمياً، وتستكمل من البقية المتبقية من من لم يحالفه الحظ في التدوين في قائمة فرسان التشكيل السعودي، ويُقرأ كوثيقة رصينة تختصر كتابة تاريخ الفن التشكيلي السعودي منذ بداياته، كما يحتوي على ملخصات للسير الذاتية لفنانين وفنانات المملكة كتبت بأقلامهم، ويُتصفح كألبوم صور للوحات الفن التشكيلي السعودي. إنه كتاب يرضي جميع الأذواق الأدبية والفنية.

وما يجدر الإشارة إليه، أن قاعدة البيانات الواردة في الكتاب تُعد آلية واعدة لتوثيق الفنانين والفنانات، حيث يمكن الاستفادة من الرقم التسلسلي المخصص لكل فنان كمدخل لتوثيق أعمالهم، في حال تم اعتماد هذه الآلية من الجهات الثقافية والفنية المختصة. إذ يُمكن النظر إلى هذا الرقم بوصفه عنصرًا تنظيميًا أساسًا في بناء نظام وطني لتوثيق النتاج التشكيلي في المملكة. كما تمثل قاعدة البيانات هذه فرصة سانحة لتصنيف مؤلفات تشكيلية مستقبلية تُسهم في تأصيل بعض الاتجاهات والأساليب الفنية، وربطها بمنظومات إنتاجها وسياقاتها الزمنية. الكتاب، في مجمله، يُعد جهدًا توثيقيًا مميزًا ومفيدًا على أكثر من مستوى، سواء من حيث رصده التاريخي، أو توثيقه الواسع للحركة التشكيلية السعودية، أو ما يفتحه من آفاق للبحث والدراسة والتصنيف الأكاديمي.


كتاب حلّق في سماء الإبداع والتأليف متحديًا الذات، والأقران، وروح العصر. تجلّت في أقسامه عناصر الأصالة والدقة، متجاوزًا الكثير من انزلاقات التأليف التاريخي. ليس هذا فحسب، بل عزز أيضًا مفاهيم مجتمعية غائبة، وقيمًا نادرة مثل التعاون، والعرض الموجز الممتع لتجارب فرسان التشكيل السعودي، والتميز في مجال التأليف التاريخي الذي يستند إلى التنافس، والإنتاجية، والرعاية الحميدة.

فلمبان فنان يرى نفسه بكل تواضع رسّامًا، لا ينساق خلف المصطلحات الرائجة التي تُضخّم من شأن الفن وأهله. مع ذلك، وفق أبسط معايير الإبداع، هو فنان مبدع يحمل هويةً واضحة، ورؤيةً صادقة، ورسالةً ذات هدف. إنه فنان يغرق في الفكرة فلسفيًا وواقعيًا ووجدانيًا على متكأ رصين من الأسلوب والتقنية لا يجرؤ أن ينازعه فيهما أحد. ويؤكد على أن يكون هذا الكتاب، إلى جانب كتبه السابقة، قد حقق الفائدة المرجوّة، ولبّى الغرض من تأليفه ونشره. قائلًا:

“لقد بذلت فيه جهدًا خالصًا، تقديرًا لحراك الفن التشكيلي السعودي الذي عاصرته لأكثر من نصف قرن. ولست مؤرخًا، ولا ناقدًا، ولا كاتبًا محترفًا، وإنما مهتمّ شغوف يحمل في جعبته ما يستحق أن يُكتب ويُوثَّق من مواضيع تخص التشكيل السعودي، تصحيحًا لبعض المفاهيم، وتوضيحًا لما التبس، وتثبيتًا لما يستحق البقاء. إن اهتمامي بسرد أسماء “فرسان التشكيل السعودي” نابع من رغبة عميقة في التعريف بهم، وتوثيق مسيرتهم، وحفظ سيرهم من التلاشي تحت وطأة زحام العصر وغياب التوثيق المؤسسي والمعايير الرسمية. فكثير من الأسماء التي وردت في هذا الكتاب، كما في كتبي السابقة، لا يعرفهم الناس اليوم، وربما لن يعرفهم أحد غدًا، وسيطويهم النسيان إن لم نحفظ ذكراهم الآن، لأن التاريخ لا يُكتب وحده، ولا يحتفظ إلا بما يُدوَّن. وهذه الكتب، على تواضعها، ما هي إلا محاولات واجتهادات شخصية، مموّلة من مالي الخاص، وبدعم كريم ورعاية مشكورة من الصديق العزيز الدكتور عبد الله دحلان، فلعلها تجد مكانها في الذاكرة، وتؤدي رسالتها في الزمن”. 

سيرة فلمبان وإنجازاته تتجاوز حدود المقال، وحواراته الهادفة تثري الفكر وتتحدى القلم. إنه قامة تشكيلية تستحق التخليد في كتاب من ضياء، ومؤلفاته مساهمة جديرة بالتقدير. بل إنها فرصة لأرباب القلم لتوثيق الحركة التشكيلية السعودية، مسلطين الضوء على حراكها، جديدها، ومميزاتها الفريدة.

عليه، ففي هذا المقال المتواضع، يوجه فنانو وفنانات المملكة الثمانية عشر ألفًا، الذين أحصاهم كتاب (ذكرى التسعين)، أسمى آيات الشكر والامتنان للفنان أحمد فلمبان، والجهة الراعية جامعة جدة للأعمال والتكنولوجيا، بقيادة القائد في توثيق الفن التشكيلي، الدكتور عبدالله بن صادق دحلان.

صور الزيارة بعدستنا…

هناك تعليق واحد:

  1. شدني المحتوى والسرد الفن ينطق في الكلمات ومابين السطور
    الفنانين والفنانات في السعوديه يستحقون كل الدعم
    بارك الله فيكم

    ردحذف

روابط مقالاتي لأبرز مقالاتي لعام 2025

ما الأيامُ والشهورُ والأعوامُ إلا بعضٌ من أعمارِنا، وما نحنُ جميعًا إلا خَلْقٌ من خَلْقِ الله. ولذلك قال رسولُ الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه عز...