الفن أداة سلطة.. الملك الإنجليزي هنري السابع أنموذجًا

48
0
في دراسة تاريخ الأدب الإنجليزي من الأحداث ما تجعلك تشعر أنك أمام مادة توثيقية تستحق الوقوف والقراءة والبحث… ومن تلك الأحداث الملك هنري السابع وحرب الوردتين ونشاط الفنون بأنواعها.
لقد سبقت صعود هنري السابع للعرش الإنجليزي فترةٌ من الاضطرابات السياسية عُرفت باسم حرب الوردتين (1455–1487)، وهي سلسلة من الصراعات الأهلية بين أسرتين من سلالة بلانتاجينيه المتنازعتين على العرش؛ أسرة لانكستر التي اتخذت الوردة الحمراء شعارًا لها، وأسرة يورك التي اتخذت الوردة البيضاء رمزًا لها. اندلعت الحرب بسبب ضعف حكم الملك هنري السادس، وتناوب الطرفان السيطرة على الحكم في معارك دموية، كان آخرها معركة بوسورث (1485) التي انتصر فيها هنري تيودور على ريتشارد الثالث، آخر ملوك يورك. وبعد انتصاره، تزوّج هنري من إليزابيث من يورك، في خطوة رمزية جمعت الوردة الحمراء والبيضاء في شعارٍ جديد هو الوردة التودورية (Tudor Rose)، إيذانًا بنهاية الحرب وتوحيد العرش تحت سلالة جديدة.. مثّل هذا الحدث بداية عهدٍ سعى فيه الملك إلى تأكيد شرعيته السياسية عبر الفنون والرموز، فصار الفن وسيلةً لإظهار وحدة المملكة وإعادة بناء صورة السلطة بعد عقود من الانقسام.
لذا، يُعدّ القرن الخامس عشر الميلادي مرحلة مفصلية في التاريخ الأوروبي، إذ تداخل فيها الفن والسياسة والدين في مشروع واحد هو صناعة الصورة الملكية. ومع صعود هنري السابع إلى عرش إنجلترا عام 1485، بدأ عهد جديد في توظيف الفنون البصرية لترسيخ الشرعية الملكية بعد حرب الوردتين.. في هذه الفترة، لم يعد الفن ترفًا جماليًا، بل أصبح وسيلة واعية لتشكيل الذاكرة الجمعية وصناعة الهيبة والهوية.
ومن صور ذلك الفن الإعلامي الصانع للذاكرة والهوية الإنجليزية ظهور المخطوطات المضيئة وبدايات الدعاية الملكية، ومع تولّي هنري السابع الحكم، أُنتجت مخطوطات خاصة حملت رموزًا فلكية ونبوئية مثل Arundel MS 66 وRoyal MS 12 B VI، تنبأت بطول عهده وازدهاره، وجعلت منه ملكًا مختارًا سماويًا.. كانت تلك الأعمال تمهيدًا لما يمكن تسميته اليوم بـ«الدعاية البصرية المنظمة» في خدمة السلطة.
ثم عمل الفن على ثيمة وصف الصورة الملكية وتمثيل الملامح الجسدية، ومن أوائل المؤرخين الذين وثقوا ملامح هنري السابع كان بوليدور فيرجيل، إذ وصفه بأنه نحيف وقوي، أزرق العينين، قليل الشعر والأسنان، وذكي الروح “شبه إلهي”. وقد طابقت هذه الصورة الوصفية ما ظهر في بورتريه هنري السابع المحفوظ في National Portrait Gallery بلندن، حيث تبدو ملامحه واقعية لكنها تحمل لمسة مثالية تعزز من هيبته الملكية. لقد كان تصوير الملك في الفن آنذاك يحمل بعدًا مزدوجًا: توثيقيًا للملامح ورمزيًا للسلطة، ما جعله أداة لإقناع الرعية بقداسة العرش.
ومن ثيمات الفن توظيف الأسطورة والرمز في خدمة السياسة، حيث استغل هنري السابع الإرث الأسطوري لربط سلالته بالماضي البريطاني المجيد، فتبنّى رمز التنين الأحمر للدلالة على نسبه الويلزي، وربط ولادة ابنه الأمير آرثر بأسطورة الملك آرثر وكاميلوت، في محاولة لإضفاء صفة الخلود والشرعية التاريخية على حكمه.. تجلت هذه الرموز في المخطوطات والأناشيد الملكية التي أُلفت لتُكرّس “الملك المختار من السماء”.
في تلك الحقبة الزمنية كان الفن جسرًا بين إنجلترا وأوروبا، حيث أسس هنري السابع عام 1485 فرقة Yeomen of the Guard، ليس كإجراء أمني بل كمشهد بصري دائم للهيبة الملكية.. هذا التنظيم المنظم للفن لم يبلغ ذروته إلا لاحقًا في فرنسا مع لويس الرابع عشر.. فقد أوضح المؤرخ Peter Burke في كتابه The Fabrication of Louis XIV (1992) كيف تحوّل الفن في بلاطه إلى جهاز دعائي متكامل، تديره الدولة لتصوير الملك كرمز إلهي ومركز الكون.. وبذلك يصبح هنري السابع بمثابة البذرة الأولى لما سيتحول لاحقًا إلى سياسة فنية شاملة في أوروبا الحديثة.
ختامًا: لقد مثّل عهد هنري السابع بداية تحول الفن من منتج جمالي إلى أداة سلطة تُبنى بها الشرعية السياسية وتُروّج عبر المخطوطات واللوحات والرموز.. مع مرور القرنين التاليين، تكرّست هذه الممارسة في بلاطات أوروبا حتى بلغت ذروتها مع لويس الرابع عشر في فرنسا، حيث صار الفن مسرحًا للهيبة والخلود.. بل إن دراسة هذه المرحلة تُظهر كيف مهّد الفن الإنجليزي الطريق لتطور مفهوم البروباغندا البصرية (الإعلام البصري) ليغدو الفنّ لسان حال الملوك ومرآة السلطة.
المراجع:
المصادر الموسوعة والمكتبة البريطانية ودراسة بحثية بعنوان:
Okroshidze, Liya. “The Ways of the Glorification of Power in the Visual Arts under the Reign of Henry VII.” Academia Letters, Article 3865, November 2021.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق