
بتشجيع من مساعدتي الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فوفو، التي تساعدني على اكتشاف الفعاليات الفنية والثقافية في بوسطن،
وترسل لي يوميًا جدولًا بالأنشطة المقترحة، مرفقًا بتقرير موجز عن الطقس ومسار الوصول إلى الفعالية، قررت حضور حوار مع الخزّاف
الياباني المعاصر هوشينو ساتورو (Hoshino Satoru)
في متحف الفنون الجميلة في بوسطن (Museum of Fine Arts, Boston – MFA) بعنوان:
After the Landslide: New Sculptural Forms from a Sea of Mud
يوم الحوار: بعد الانهيار الأرضي: أشكال نحتية جديدة من بحر من الطين
لم تكن لديّ معرفة مسبقة بالفنان أو بتفاصيل تجربته الفنية، فذهبت بدافع الفضول والرغبة في اكتشاف تجربة جديدة من الفنان نفسه.
بدأت الجلسة الحوارية بحضور القيّم الفني على عمله؛ إذ كان المحاور يطرح الأسئلة باللغة اليابانية، ثم يترجم إجابات الفنان إلى الإنجليزية.
كان الفنان في الثمانين من عمره، وقد أعجبني استمراره في العمل والإنتاج، وتعزيز علاقته بالطين بوصفه مادةً تتسع إمكاناته كلما تعمّقت
خبرته في التعامل معه. لم أكن أعلم أن هذا الحوار سيفتح أمامي بابًا للتأمل في العلاقة بين التجربة الإنسانية والطبيعة والمادة، وأن الأعمال
التي سأتعرّف إليها ستجعلني أرى كيف يمكن لأحداث الحياة وتقلباتها أن تتحول إلى منطلقات للإبداع، وكيف تتراكم خبرات الفنان لتمنح
خاماته إمكانات جديدة للتعبير.
استهلّ هوشينو ساتورو حواره بالتعريف بنفسه خزّافًا؛ فقد درس تقنيات الخزف نظريا وعمليا، كما أشار إلى دراسة إدارة الأعمال إشارة لطيفة إلى أهمية
هذا التخصص في العملية الإبداعية، وتأثّر بالخزّاف الياباني ياغي كازو (Yagi Kazuo)، كما انضمّ إلى جماعة سوديشا (Sōdeisha)،
بالنسبة لي كباحثة في العملية الإبداعية تعد هذه الخلفية مرتكزات الإبداع الحقيقي. تابع ساتورو حواره عن حادثة المطر الغزير الذي تسبّب
في انهيار مرسمه وجزء من منزله. لم تبدُ لي الحادثة مجرد واقعة قاسية في حياة الفنان، بل بدت منعطفًا أعاد تشكيل علاقته بالطين والماء،
وفتح أمامه مسارًا فنيًا جديدًا.تلك التجربة دفعتني إلى التأمل في الطريقة التي حوّل بها، تجربة الخسارة إلى فرصة لاستكشاف إمكانات
جديدة التعبير النحتي لدية، وفي قدرة آثار الكارثة على التحول إلى بداية لمسار نحتي مختلف.
ومن هنا، تحفّز فضولي لمعرفة الطريقة التي تعامل بها النحات مع ما جرى، وكيف وجدت التجربة الإنسانية طريقها إلى إثراء تجربته
النحتية. ضمن الحوار، عُرضت سلسلة من الأعمال الطينية التي أنجزها ساتورو بعد انهيار مرسمه، والتي ارتبطت بالعديد من التجارب
الإنسانية، وأسهم تنوّعها في تطوير تجربته الإبداعية. ومن بين تلك الأعمال Circuit of Fire and Passion
الذي تجاوز فيه الفنان حدود التشكيل التقليدي، مستعينًا بعروض أدائية متنوعة أكسبت العمل وسيلة أخرى للتعبير عن تجربته النحتية.
ومن الأعمال التي بقيت حاضرة في ذاكرتي عمل Spring Snow، الذي ربطه الفنان بتجربة تسلّق الجبل وأثر الثلج. وقد جعلني ذلك أتأمل
كيف يمكن لتجربة تسلّق الجبل، وما يرتبط بها من مشاهدة الثلج وتشكيلاته، أن تصبح منطلقًا لتجربة نحتية جديدة.
ساتورو لا يكتفي بنقل ما تراه العين، بل يعيد صياغة ما عاشه من خلال الخامة التي يعمل بها. لقد أصبح الطين وسيلة لاستحضار أثر
الطبيعة واستعادة ذكريات تسلّقه الجبل مع زوجته. ومما استوقفتني قدرته على رصد الطبيعة وتشكيلاتها في ملامح ذلك العمل، وإعادة
التعبير عنها من خلال الطين. فالطبيعة في هذه التجربة لا تبدو مجرد مشهد ينقله ساتورو إلى عمله، بل تجربة يعيشها ويتفاعل معها، ويلتقط منها ما يثيره من حركة وتراكم وتحوّل. وهنا تكمن، في نظري، محبته للطبيعة؛
فهي لا تتجلى في تصوير مظاهرها وحدها، بل في الإصغاء إلى تغيراتها واستكشاف إمكانات التعبير عنها من خلال المادة،
ومن الأعمال التي عُرضت أيضًا:
Frozen Cloud, Ancient Woodland & Pre-Copernican Mud
لقد شكلت حادثة انهيار مرسمه منعطفاً في تقنيات وآليات أرتبطت بالطين والماء، فقد استخدم تقنيات مرتبطة بصناعة الورق وطيّه لإحداث
تموّجات على أسطح منحوتاته الطينية السوداء. استوقفتني هنا معرفته بتقنيات الورق وقدرته على الاستفادة منها في تشكيل مادة مختلفة.
فالعلاقة بين الورق والطين لا تقوم على التشابه بينهما، بل على انتقال الخبرة من وسيط إلى آخر، وعلى قدرة الفنان على توظيف ما تعلّمه
واختبره في توسيع إمكانات التعبير. وأرى في هذا الجانب من تجربته صورة واضحة لتراكم المعرفة الفنية؛ فخبرة الفنان لا تظل محصورة
في تقنية واحدة، وإنما تتفاعل فيها التجارب والمواد لتفتح أمامه احتمالات جديدة. وقد جعلني ذلك أتأمل كيف يمكن للملمس والتموّج
أن يتحوّلا من أثر تقني إلى لغة نحتية، وكيف يستطيع الفنان الاستفادة من خصائص المواد المختلفة ليمنح الطين تعبيرًا يتجاوز حدوده
المألوفة. فهو على نحو خاص يكشف لنا عبر منحوتاته عن العلاقة بين دقة العمل اليدوي واتساع التكوين النهائي. فقد شكّل الفنان
بأصابعه آلاف القطع الصغيرة من الطين الأسود، ثم جمعها في تكوين جداري ضخم، بأبعاد تقارب أربعة أمتار في ثلاثة أمتار،
وبارتفاع يقارب مترين ونصف. وقد أثارني التباين بين صغر الوحدة التشكيلية وضخامة العمل، وبين حركة الأصابع الدقيقة
والحضور البصري الواسع الناتج عنها. لم تكن المسألة مجرد تكرار لقطع صغيرة، بل تحويل هذه الوحدات إلى تكوين متكامل، تتجاوز
فيه القطع وتتراكم لتصنع حضورًا بصريًا وماديًا لافتًا. فكل قطعة تحمل أثر اليد والعمل المتكرر، لكنها لا تكتسب معناها الكامل
إلا ضمن مجموع القطع التي تتآلف معها. وهنا رأيت كيف استطاع ساتورو أن يبني من تفاصيل صغيرة عالمًا واسعًا، وأن يحوّل الجهد اليدوي المتراكم إلى لغة بصرية تحمل أثر الزمن والممارسة.
وعند استرجاع هذه الأعمال في ذهني، وجدت أن ما يربط بينها ليس مجرد استخدام الطين أو تنوّع التقنيات، بل العلاقة بين حياة الفنان
والطبيعة المحيطة به، وبين الخبرة التي يكتسبها بمرور الزمن والطريقة التي يعيد بها تشكيلها فنيًا. فالانهيار والثلج والجبل والورق والطين
ليست عناصر متفرقة؛ إنها مداخل لفهم كيفية استقبال الفنان لما يمر به وما يراه، ثم إعادة صياغته في مادة تحمل أثر التجربة الإنسانية
وتحولها إلى تجربة إبداعية. وهذا، بالنسبة إليّ، هو الجانب الأجمل في أعمال ساتورو:
أن الطبيعة لا تبقى خارج العمل الفني، وأن التجربة الإنسانية لا تنتهي عند وقوع الحدث، بل تواصل حياتها في أشكال جديدة يصنعها الفنان
بيديه. فمحبته للطبيعة تظهر في رصد تحوّلاتها، وخبرته التقنية تظهر في قدرته على تحويل تلك التحوّلات إلى ملمس وشكل وتكوين،
بينما تكشف تجاربه الحياتية عن الجانب الإنساني الذي يمنح أعماله عمقها. على الرغم من أن ساتورو كان يتحدث باللغة اليابانية،
بينما ينقل المترجم حديثه إلى الإنجليزية محاولًا إيصال المعنى بسلاسة ودقة، وجدت نفسي، بوصفي امرأة عربية أتابع هذا اللقاء من خلال
الترجمة والصوت والصورة، أمام تجربة تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وتكشف عن قدرة الفن على خلق مساحة مشتركة بين الفكر
والشعور الإنساني. ولا تزال المحاضرة والأعمال حاضرةً في مخيّلتي حتى لحظة كتابة هذا المقال، بما أثارته في وجداني من تأملات
حول التجربة الإنسانية بوصفها فعلًا إبداعيًا، وذاكرةً تُحفر فينا، ويصوغها الحوار، ويثبتها العمل والخبرة، على الرغم من تباين اللغات
والثقافات.
في مساحة واحدة، اجتمع أشخاص من أعمار واهتمامات فنية متنوعة، تشاركوا الإصغاء إلى تجربة فنية تستحق الحضور والتدوين؛
تجربة تعلّمنا كيف استطاع ساتورو أن يحوّل ما يعيشه وما يراه إلى أثر إبداعي يتجاوز حدود اللحظة. وفي تلك المساحة ذاتها،
تعاظمت مشاعر الامتنان للمتحف الذي رعى هذه الفعالية من خلال عقد اللقاء المباشر بين الفنان والجمهور، وما أتاحه من تواصل تجاوز
حدود اللغة والصور، وأتاح لنا حضور الورشة ومتابعة تركيب العمل على مدار أربعة أيام، تهيئة لاستقبالها بعد عامين. شعرت وكأنني
سافرت إلى اليابان، ثم توقفت في بوسطن، متنقلةً بين تجارب ساتورو العالمية.
وهكذا اجتمعت في هذه التجربة بدايتان: بداية قادتني إليها مساعدتي الشخصية فوفو، حين ساعدتني على اكتشاف الفعالية،
وبداية إنسانية عشتها بنفسي داخل القاعة. لقد قادتني التقنية إلى المحاضرة، لكن اللقاء المباشر هو الذي منحها أثرها الخاص في ذاكرتي.
وبين اكتشاف الفنان والاستماع إلى حكايته وتأمل أعماله، وجدت نفسي أمام تجربة تجمع بين الطبيعة والذاكرة والمادة، وتكشف كيف يستطيع
الإنسان أن يحوّل ما يعيشه وما يراه إلى أثر إبداعي يتجاوز حدود اللحظة. فالعمل المتحفي، كما خرجت من هذه التجربة، ليس مادة تُشكّل
أو صورة تُعرض فحسب؛ إنه أثر حياة، ومعرفة تتراكم، وعلاقة متجددة بالطبيعة، ومحاولة إنسانية للتعبير عن الكون وتحولاته.
بعد انتهاء اللقاء الحواري مع ساتورو دُعي الحضور إلى زيارة ورشة تركيب المجسّم الطيني المقتنى، وتركيبه مستقبلا في القاعة اليابانية
في الطابق الثاني من المتحف، والتي ستظل مغلقة حتى تدشين عمل ساتورو بها. وعندما دخلنا إلى الورشة، المطلة على كافتيريا المتحف
وممر الأعمال الخزفية، وجدناها مساحة تضم عددًا من الطاولات، وعلى كل منها صوانٍ من الإسفنج ذي التجاويف المتعددة،
المحشوة بأقمشة بيضاء خفيفة. وفوق هذه التجاويف وُضعت تشكيلات طينية صنعها الفنان بأصابعه، وعلى قواعدها وُضعت مادة لاصقة
لتثبيت المسامير الذهبية فيها، ثم غُرسها على سطح خشبي متعدد الطبقات. كما ظهرت صناديق الحفظ الزرقاء، معنونةً ومرقّمةً،
تحت الطاولات. كانت لحظات غامرة ونحن نقف إلى جوار العمل وفريق حفظه، بحضور الفنان نفسه، الذي رحّب بالتقاط صورة معي.
وكان كل ما في المكان يدعوني إلى مواصلة اكتشاف قصص هذه التجربة، التي لا تزال تثير في داخلي كثيرًا من التساؤلات.
يوم الاحتفاء: اكتمال تركيب العمل
ما شاهدته حفّزني على حضور ورشة يوم الاثنين، لأرى كيف يتكوّن العمل أمام عينيّ، لا بوصفه عملًا مكتملًا فحسب، بل بوصفه عملية
تتكشف مراحلها تدريجيًا. فقد أتاح لي حوار الأمس ومشاهداته أن أتعرف إلى البدايات الأولى لتجربة متحفية خلّاقة. وبفضل الشرح الذي
قدّمته كريستينا، عضوة فريق العمل، تمكنت من التدقيق في القطع الطينية ذات المسامير الذهبية، والسطح الخشبي الذي صُمّم لتثبيت القطع
الطينية عليه. وقد كشفت لي هذه التفاصيل كيف يبني الفنان عمله خطوةً خطوة، قبل أن يصبح جزءًا من ذاكرة المتحف وتجربة زوّاره.
من خلف الجدار الزجاجي المطلّ على كافتيريا المتحف، بدأت أتأمل تفاصيل الورشة. كانت مساحة محاطة بأربعة جدران، كُتبت على اثنين
منها، في أعلاهما، كلمات جعلتني أعيش تفاصيل مراحل التجربة الإبداعية:
Imagine, Build, Design, Craft, Create, Explore, Invent, Question, Play, Discover
وعبر الجدار الثالث، الذي كان بمثابة حاجز زجاجي، كنت أتابع ساتورو وفريق حفظ العمل ورعايته. وكان الفريق يتكوّن من كريستينا
وسيدة أخرى، إلى جانب النحات نفسه. كان ساتورو وكريستينا يقفان فوق الرافعة، بينما كانت السيدة الأخرى تتناول صواني المنحوتات
الطينية المتنوعة في ألوانها وأحجامها، وتسلّمها إلى كريستينا، التي كانت بدورها تناوِل ساتورو القطع ليثبتها على لوح خشبي يبلغ
طوله قرابة ستة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار، صُمّم لتثبيت التركيب الطيني.
كان ساتورو يصعد الرافعة وينزل منها، ثم يجلس على الكرسي وفي يده الرسم التخطيطي الأصلي للعمل،
يتأمل التكوين ويراجعه باستمرار. وبين صعود ونزول، كان يدقق في ما أنجزه ويقارنه بالرسم، ويتأكد من ملاءمة كل قطعة قبل تثبيتها.
أثناء متابعتي للعمل خلف الحاجز الزجاجي، وقفت إلى جانبي إحدى المسؤولات عن الصوتيات والفيديو في المتحف، وبدأنا نشاهد العمل
ونتحاور عنه تلقائيًا. حدّثتها عن سعادتي الغامرة بمتابعة هذا العمل، بوصفه تجربة تستحق التوثيق، فطلبت مني أن أرافقها إلى داخل
الورشة، وأن أتواصل مع فريق العمل لطرح ما لديّ من أسئلة. كان موقفًا رائعًا منها؛ إذ أتاح لي متابعة العمل عن قرب.
ومن اللحظات السعيدة أن أخبرتني كريستينا، ردًا على تساؤلي عن مصير العمل بعد تركيبه في هذه المساحة المؤقتة، بأنه سيُصوَّر
فوتوغرافيًا، وستُمسح جميع أجزائه ضوئيًا، كما ستُوثّق كل قطعة من قطعه، وعددها ألف وتسعمائة وأربع وخمسون قطعة،
برقم وصورة ووصف خاص. وستُحفظ قطع بديلة مشابهة في صناديق مخصصة، تحمل بدورها أرقامًا وأوصافًا تتيح للمتحف
التعرف إليها والوصول إليها عند الحاجة، إذا سقطت إحدى القطع أو تعرضت للكسر.
توقفت عند هذه التفاصيل طويلًا؛ لأدرك أن خلف كل عمل متحفي نشاهده منظومة دقيقة من التوثيق والحفظ والصيانة والرعاية،
تضمن استمراره وتساعد على حمايته من آثار الزمن. لم تعد القطع الطينية بالنسبة إليّ مجرد وحدات صغيرة اجتهد الفنان في تشكيلها
بأصابعه، بل أصبحت جزءًا من عمل نحتي له سجل متحفي خاص، يوثّق المكان والزمان والمادة التي أسهمت في إنتاج كل قطعة من قطع
التركيب. فلم يعد العمل ملكًا خاصًا للفنان وحده، بل أصبح يحمل مصيرًا متحفيًا وقيمًا من الأصالة والنزاهة، تمتد قصته من الأمس إلى اليوم، ومن اليوم إلى الغد.
هناك، سألت القيّمة الفنية على المشروع عمّا إذا كانت المزهرية التي شكّلها ساتورو بأصابعه ستوضع أيضًا في مكانها، كما ظهرت في
الرسم التخطيطي، بعد اكتمال التركيب، فأجابت بأنها لا تعلم. واحترامًا لخصوصية المكان وانسجام فريق العمل، خرجت من الورشة وعدت
إلى متابعة ما يجري خلف الحاجز الزجاجي.
وبعد أن استكمل الفنان جزءًا كبيرًا من العمل، أُحضرت المزهرية. عندها نادتني القيّمة الفنية ودعتني إلى الدخول مرة أخرى لأشهد
هذه اللحظة الجميلة. كان في دعوتها لطف كبير؛ فقد أتاحت لي حضور اللحظة التي وضع فيها فريق العمل المزهرية في موضعها،
بعد اكتمال التكوين الأساسي.
ابتهج الحاضرون، لكن العمل لم يكن قد انتهى تمامًا بالنسبة إلى ساتورو؛ فقد واصل تثبيت بعض القطع الطينية الكبيرة مقارنةً بالقطع
الأخرى، والتي بدت كأنها اللمسات الأخيرة التي ستمنح التكوين اكتماله.
ظل الفنان يتنقل بين موضع العمل والرسم التخطيطي، يراجع التكوين ويتأكد من انسجام أجزائه. ثم أطلق تنهيدة عميقة،
وقال باليابانية: "انتهينا"، فرددت القيّمة الفنية بالإنجليزية: It’s done.
عندها صفّق له الجميع بحرارة. وكنا خمسة أشخاص في الورشة، في مشهد جميل اختلطت فيه فرحة الإنجاز بتقدير الجهد الذي بذله الفنان
والفريق المساند. في تلك اللحظات، ترقرقت دموع الفرح في عينيّ، واستقرّت من دون أن تنهمر. كانت فرحتي عميقة؛ فقد شعرت أنني
أحتفي بتجربة متحفية وهبني القدر فرصة حضورها، وأشارك الفنان فرحته بإنجاز عمله، وأعبّر عن تقديري العميق لمنسوبي المتحف
الذين منحوني، في كل لحظة حاسمة من تكوين العمل، شرف المشاركة.
كنت سعيدة جدًا بهذا الاحتفاء، الذي عشت خلاله مشاعر الامتنان، وقدّمت تهانيّ ودعواتي للفنان تقديرًا للجهد الذي بذله وللإبداع الذي
منحنا شرف حضوره. كانت تلك، بالنسبة إليّ، لحظات روحانية عالية وذكريات خالدة في سجل أيامي، رأيت فيها كيف يواصل المبدع
الحقيقي العمل ويطوّر أدواته وأساليبه.
لقد كانت تجربة أثّرت فيّ بعمق، وأعادتني إلى التفكير في رحلة العمل الفني منذ أن يكون فكرة في مخيلة الفنان، مرورًا بالبناء والتصميم
والتنفيذ على أرض الواقع، وصولًا إلى عرضه في المتحف. وهنا تذكرت ما قالته كريستينا عن أن العمل المتحفي المقتنى ينبغي أن يحقق
مفهوم اللانهاية (Infinity)، وأن يعيش مئات الأعوام. ومما أدهشني جاهزية الفريق لتقبّل فكرة أن رحلة العمل لا تنتهي بوضع القطعة
الأخيرة في مكانها هنا، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى من الرعاية والتوثيق والمسح والتصوير وفهرسة القطع ثم إعادة التركيب في
القاعة اليابانية بالطايق الثاني بحضور الفنان وفريق العمل استعدادًا لاستقبال العمل ضمن التجربة المتحفية الجديدة، المرتقب
افتتاحها في بدايات عام 2028.
ختام التجربة: من مخيلة الفنان إلى ذاكرة المتحف ثم إلى سطوري
عدت إلى المنزل والسعادة تغمرني؛ فقد عشت تجربة إنسانية رائعة ارتبطت بتجربة فنية وإبداعية، تابعت مراحلها، وتعرّفت إلى فكرتها،
وشهدت لحظات اكتمالها. كانت هذه الورشة المتحفية تجربة أثّرت فيّ بعمق، وأعادتني إلى التفكير في رحلة العمل الفني منذ أن يكون فكرة
في مخيلة الفنان، مرورًا بالبناء والتصميم والتنفيذ، وصولًا إلى عرضه في المتحف، حاملًا هوية الفنان وثقافته وتجربته.
جعلتني هذه التجربة أتساءل عن الرحلة المتحفية للعمل الإبداعي: كم من العوامل تتضافر حتى ينتقل العمل من مخيلة الفنان إلى قاعات
المتحف؟ إنها خبرة الفنان الحقيقية، وتحولاته الإبداعية، وما يعيشه من تجارب تدفعه إلى التطوير والتنوع وإثراء تجربته التشكيلية.
إنها رحلة تبدأ بالفكرة، ثم تتحول إلى بناء وتصميم وعمل يدوي متواصل، حتى يصبح الإبداع تجربة مادية ملموسة، تستقبلها المؤسسة
المتحفية وتتولى مسؤولية حفظها ورعايتها.
ولم يقتصر أثر هذه التجربة على متابعة العمل الفني، بل امتد إلى ما لمسته من روح فريق المتحف الجميلة، وتعاون أفراده، وترحيبهم بي
بوصفـي زائرةً تستحق حضور الورشة ومشاهدة عملية التركيب. أسعدني أنهم أتاحوا لي مشاركة الفنان لحظات إنجاز عمله، وأشركوني
في مشاهدة تفاصيل لم تكن لتظهر لي لو اكتفيت بحضور المحاضرة أو مشاهدة العمل بعد اكتماله. وشعرت بامتنان خاص للطريقة التي
احتفى بها الفريق باهتمامي، ومنحني فرصة متابعة هذه اللحظة الاستثنائية، ورحّب بتساؤلاتي وأجاب عنها حتى استوعبت فكرة التركيب
ومراحلها. لقد أتاحت لي هذه التجربة، وأنا زائرة في هذا المتحف العريق، أن أقترب من مشروع فني عالمي، وأن أرى كيف تتضافر
الخبرة الفنية والعمل الجماعي والرعاية المؤسسية لصناعة تجربة إبداعية تستحق أن تُحفظ وتُوثّق وتكتب للأجيال.
ممتنة لحضور الحوار والورشة؛
فشكرًا لمتحف الفنون الجميلة في بوسطن، وشكرًا للفريق الذي رحّب بي وشاركني لحظات الإنجاز،
وشكرًا للفنان ساتورو الذي أتاح لي فرصة الوقوف على عمله عن قرب.
وشكرًا للقيّمة الفنية على المشروع، التي أتاحت لي التواصل معها عبر البريد الإلكتروني لطرح أسئلة إضافية واستكمال الكتابة عن هذه
التجربة وتوثيقها.
وشكرًا لكريستينا على إجاباتها التي أشبعت شغفي وأثرت فضولي.
فاطمة الشريف
عضوة في متحف بوسطن 2026
Fatima Al-Sharif
(KSA)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق